تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩

مظاهر التدبير الكوني

أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى
. في هذه الصورة المتحركة في حركة الكون من حولك ، على أساس التدبير الإلهي في النظام الكوني العام في دائرة الزمن حيث يزيد الليل تارة وينقص أخرى ، كما يحدث ذلك في النهار في نظام ثابت في آفاق هذه الحركة . وهكذا يلاحظ الإنسان كيف سخّر اللّه الشمس والقمر لتحقيق الغايات التي أرادها فيهما لمصلحة الحياة والإنسان ، وكيف يتحركان في نظامهما الكوني ، في اختلاف طلوعهما وغروبهما ، واختلاف جريانهما ومسيرهما في الحس الظاهر من دون حدوث أيّ خلل في هذا أو ذاك ، مهما امتد الكون وامتدت الحياة ، مما يوحي بالنظام المبدع ، والتدبير الدقيق ، والعلم الواسع المطلق الذي يجعل الأشياء كلها حاضرة أمامه ، قبل وجودها ، وبعد وجودها ، كما يوحي للإنسان ، في عمق شعوره ، باطلاعه على كل دقائق أعماله ، فيدفعه ذلك إلى الانضباط في حركته ، والتوازن في موقفه ، والإحساس بالرقابة الدائمة عليه ، من خلال الحقيقة الإلهية المنطلقة من إحاطة اللّه وخبرته بالأعمال والأقوال ، في دائرة خبرته بالإنسان كله ،
وَأَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ
فكيف تنكرون ذلك في سلوككم ، في الوقت الذي يفرضه عليكم إحساسكم بوجودكم .
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ
فهو الحقيقة الثابتة في عمق الوجود كله ، بكل ظواهره ومفرداته وتفاصيله ، لأن كل شيء مستند إليه ، وخاضع لإرادته ، ومفتقر إليه ، وموجود به ، مما يجعل الأشياء بمنزلة الظل والصدى الذي لا قوام له بنفسه ، بينما يقوم اللّه - سبحانه - بذاته . ومن خلال ذلك ، نتعرف الحق في ربوبيته وألوهيته المطلقة ، وعبودية كل الموجودات له ، فلا شريك له ولا نظير ، ولا شبيه ولا وزير ، وهكذا تنطلق
من وحي القرآن — صفحة 209 | السيد محمد حسين فضل الله