تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 335

مساهمون:

ص٣٣٥
لأن حرية الإنسان في أفكاره تنطلق من حرية مواقعه في حركة السلطة غالبا . وكان من المفروض ، أن يكون قارون مخلصا لحرية قومه ولحركة الإيمان الجديدة في حياتهم ، ولكنه لم يكن بالمستوى الأخلاقي الذي يحميه من غرور المال وزهوه ، فترفّع بنفسه عن قومه
فَبَغى عَلَيْهِمْ
وتكبّر ، وحاول أن يربك حياتهم ، ويفسد قيمهم ، مستغلّا قوّته المالية التي تتيح له الحصول على مواقع القوّة والنفوذ في المجتمع . وقد كان حجم ماله كبيرا جدا ، مما سهّل له الحصول على ما يريد من ذلك ،
وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ
التي يخزن فيها أمواله ،
ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ
فإذا كانت مفاتيح بيوت المال تثقل الجماعة الملتف بعضها ببعض ، بحيث تزيد على العشرة ، فكيف يكون حجم ما يملكه من مال في ما يمثله ذلك من كثرة هذه البيوت ؟ !

قوم قارون يقدمون له النصيحة

إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ
والظاهر أن المراد بالفرح ، ليس الحالة النفسية الهادئة من السرور الطبيعي الذي يحصل للإنسان عند أية حالة من حالات الانسجام مع ما حوله أو مع من حوله ، لأن هذا ليس أمرا سيئا ، من خلال القيمة الإنسانية للمشاعر الخاصة ، بل المراد به البطر الذي يمثل شدّة الفرح في ما يصل به الشعور إلى مستوى الإفراط في الانفعال والتعلق بمتاع الحياة الدنيا ، بحيث يتحوّل إلى هزّة ذاتية في تعبيراتها الكلامية والسلوكية وفي انتفاخ الشخصية بشكل غير طبيعيّ . وهذا المعنى هو ما نستوحيه من قوله تعالى في آية أخرى :
وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ
[ الحديد : 23 ] فإن الظاهر إرادة الحالة الانفعالية من السرور
من وحي القرآن — صفحة 335 | السيد محمد حسين فضل الله