تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 317

مساهمون:

ص٣١٧
يفقدون كل دور مميّز ، لأن الدين سيكون للّه ، وستكون الحياة كلها في خدمة القيم التي أوحى بها اللّه ، وستتحرك قيم جديدة لا مجال فيها للباحثين عن ذواتهم في حركة الواقع ، لأن الذات سوف تكون في دائرة الإيمان في خدمة اللّه والحياة لتؤكد وجودها لدى اللّه ، بقدر ذوبانها في خدمة عباده في ساحة رسالاته . ولكنهم كانوا يريدون التعبير عما في داخلهم بطريقة أخرى ، فهم يحتجون بالخوف من التشريد والابتعاد عن أرضهم عندما يهجم عليهم الناس انتقاما منهم ، لأنهم تركوا الشرك واتبعوا التوحيد وتحوّلوا من دائرة الضلال إلى رحاب الهدى .
وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا
فلا يبقى منا أحد فيها ، ولا يبقى لنا شيء منها ، عندما تهجم علينا العرب من كل جانب فتقتلنا وتنهب أموالنا ، لأننا سوف نواجههم معك عندما تنشب الحرب بينك وبينهم ، فنكون في موقع الضعف ، ويكونون في موقع القوّة . وهذا ما يمنعنا من الدخول في دينك ، لأننا لا نتحمل النتائج الصعبة المترتبة على ذلك ، ولكن ، هل هم جادّون في ذلك ؟ وهل أن العرب ستقف هذا الموقف لو دخلت قريش في الإسلام ؟ أو أن المسألة ستتطور لمصلحة الإسلام ، باعتبار التأثير الكبير لقريش على القرار العربي - آنذاك - لما تمثله من موقع متقدم في مصالح الناس هناك ؟ إن منطقهم هو منطق التهرب من المسؤولية ، لأنهم يعرفون أنهم يملكون أكثر من موقع قوّة في المنطقة المحيطة بهم ، وأن العرب سوف تدخل في الإسلام إذا سارت قريش معه . فإن أكثر الحروب التي خاضها النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم كانت بتدبير قريش وتآمرها على الإسلام والمسلمين ، وإذا كان النبي قد انتصر على العرب بدون قريش ، فكيف إذا كانت معه ؟ !
من وحي القرآن — صفحة 317 | السيد محمد حسين فضل الله