الطبيعي أن يكونوا قد استجابوا لذلك ، وسلّموه إلى أمه التي جاءت بلهفة عند استدعائها من قبلهم - بواسطة أخته .
فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ
عندما يعيش ولدها الحبيب في أحضانها ، وهي آمنة على حياته ، بل إنها مسؤولة أمامهم عن المحافظة على حياته باعتبار موقعه المميز في بيت فرعون ، فلا مجال لقلق ولا للحزن ،
وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ
في ما يعد اللّه به عباده في قضاياهم التي تتحرك في موقع رحمته . وهذه هي الحقيقة الإيمانية التي لا شك فيها ، لأن الذي يخلف الوعد أحد شخصين ، إمّا العاجز وإمّا الكاذب ، أو الجاهل الذي يظهر له الشيء بطريقة ثم يبدو له غيره فيتبدل رأيه وموقفه ، وقد تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا ،
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
لأنهم لا ينفتحون على الأفق الواسع الذي يطلّ بهم على مفردات القضايا من خلال القواعد العامة للإيمان ، ولذلك فإنّهم يستغرقون في أوضاعهم الشخصية المزاجية أو أفكارهم الارتجالية السريعة ، بعيدا عن أية معرفة عميقة في حقائق العقيدة والحياة ، وهذه هي مشكلة الناس في كل زمان ومكان أمام الإيمان ، فهي مشكلة الجهل التي تغلق عليهم أبواب الحق ، وتدفعهم إلى الاندفاع نحو الباطل .
وهكذا تعهّد اللّه موسى بالرعاية في طفولته حتى تكامل جسده واستقر عقله ،
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ
وبلغ مبالغ الرجال وذلك بأن يصل إلى المرحلة التي تشتد بها قواه وهي مرحلة الثمانية عشر من السن - كما يقال - ،
وَاسْتَوى
بحيث استقر في حياته واعتدل في توازنه ،
آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً
وذلك عندما ألهمه اللّه معرفة موازين الأمور التي يستطيع بها أن يعرف مصادر الأحكام ومواردها فيبلغ بها مواقع العدل ، وأعطاه اللّه من أبواب العلم ما يفتح له آفاق الحياة بحيث يتمكن من حلّ مشكلاتها ، ومن السيطرة على تحريك قضاياها في الاتجاه السليم ،
وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
فنتعهدهم بالحفظ والرعاية