تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 209

مساهمون:

ص٢٠٩
فإنهم يحصلون من خلالها على صفاء الروح والعقل ، واستقامة السلوك العملي في الخط الصحيح ، وينفتحون على العمق الإنساني في شخصياتهم عندما يعبرون عن انفعالهم بالقيم الروحية في استجابتهم للإحسان الإلهيّ في مواقع النعمة الظاهرة والباطنة .
وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ
لأنه إذا كان لا يحتاج إلى وجود الإنسان ، باعتبار أنه هبة منه ، وليس حاجة له ، فكيف يحتاج إلى التعبير اللفظي والعملي في حركته تجاه نعم اللّه ، وبهذا فإن كفر الكافر للنعمة يرتد إليه ليعبر به عن حقارة الشعور الإنساني لديه ، ولا يرتد على اللّه لأنه لا يؤثر في أيّ موقع من مواقع عظمته المطلقة وغناه الذاتي الذي لا حدّ له ، وكرمه الفيّاض باللطف والرحمة الذي يشمل عباده كلهم بعطائه ، الكافر منهم والشاكر .

العرش أمام سليمان

وهكذا عاش سليمان أمام هذه النعمة الإلهية بتسخير اللّه له القوّة بجميع وسائلها ، ليؤكد سلطته التي لن يحركها في خدمة ذاته ، بل في خدمة رسالته . وبدأ يستعد للقاء ملكة سبأ التي اهتزت لتهديد سليمان ، فعزمت على القدوم إليه للتعرف على أهدافه ومواقفه ، ولم يكن الإتيان بعرشها إلى مجلسه وسيلة من وسائل التأثير على موقفها النفسي بما يشبه الصدمة التي تعبر بها إلى روحية الفطرة الصافية ، ولكنه كان يريد أن يثير فيها التفكير الذي يتحرّك بين السلب والإيجاب في الوقوف أمام هذه الظاهرة العجيبة ، ولهذا أراد أن يجري فيه بعض التغييرات الشكلية التي قد تثير فيها احتمالا آخر ، لتتحير فيه هل هو عرشها ، أو هو نسخة منه مشابهة له .
قالَ نَكِّرُوا لَها عَرْشَها
بالطريقة التي قد لا توحي بملامحه التفصيلية