تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
الذاتية ، لأنهم يعلمون من خلال اختصاصهم ، أنه لا يملك علم ذلك ولا القدرة عليه ، ولهذا رأوا فيه الرسالة المنطلقة من اللّه الذي كان يصفه موسى بأنه رب العالمين ، الذي عرفوه من خلال المعجزة فآمنوا به من خلال الرسالة التي يمثلها موسى وهارون .
قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ
فقد اعتاد أن يضغط على تفكير الناس في ما يؤمنون به أو يكفرون ، وما يتحركون فيه من مواقف ومشاريع ، فلا بد من أن يستشيروه في مسألة الإيمان ليأخذ النتائج بما واجهه من موقف موسى ، فليس لهم أن يأخذوا موقفا حاسما قبله ، ولهذا فإنه لا يفهم أن من الحق لأتباعه أن يكون لهم فكر مستقل وإرادة مستقلة في وعي الأشياء التي تحدث في حياتهم ، أو يواجهون بها القضايا التي تتحداهم . ولهذا لم يحاول أن يفهم المسألة في اتجاه القناعة الذاتية في موقف الإيمان ، بل حاول أن يفسره بالتامر عليه ، في ما يفرضه من علاقة خفية بينهم وبين موسى ، لتكون القضية تمثيلية في غلبة موسى عليهم ، لا حقيقية لتوحي بما أوحت به إليه ، وهكذا أطلق التهمة الصارخة في وجوههم ، ليخرج - من خلالها - من مأزقه المحرج .
قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
كيف أعاقبكم على هذه المؤامرة الخطيرة التي تعرّضون فيها كيان الملك للخطر ،
لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ
وذلك بأن تقطع اليد اليمنى مع الرجل اليسرى أو بالعكس ،
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
لتموتوا موثوقين مرتبطين بالحبال على الصليب . ولكن ذلك لم يهزم إيمانهم ولم يضعف موقفهم ، بل واجهوه بصلابة في الإرادة واستهانة بتهديده ، وارتفاع بالموقف إلى المستوى الرفيع في آفاق اللّه
قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ
فلن يضرنا تهديدك وعذابك ، لأننا سننتقل منه إلى الدار الآخرة التي يشملنا فيها ربنا برحمته ،
إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا
من وحي القرآن — صفحة 114 | السيد محمد حسين فضل الله