تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
هو تطبيق فكرة مخزونة في داخل عقولهم على الفكرة التي يطرحها عليهم لإخراجهم من الاستغراب ، بتذكيرهم بما يؤمنون به وإخراجهم من أجواء الغفلة عنه ، من دون الدخول في جدل حوله ، بإثارة علاقة الحاجة إلى المدبر بالإيمان به ، واللّه العالم .
قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَ لا تَسْتَمِعُونَ
إلى ما يقوله موسى عليه السّلام عن ربّ العالمين ، ربّ السماوات والأرض وما بينهما مما لم نسمعه ولم نألفه في عقائدنا وأوضاعنا العامة والخاصة ؟ فكأنه يريد أن يثير فيهم الاستنكار الشديد نحوه ليهزم دعوته بأساليب الإثارة ضدّه . ولكن موسى لم يأبه لذلك كله ، بل بقي مستمرا في دعوته في مواجهة التحدي بالتحدي ليجعل الصفة الإلهية في ربوبيته مرتبطة بهم في وجودهم الذاتي في الحاضر ، وفي وجود آبائهم في الماضي .
قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ
فكيف تجهلون خالقكم وخالق آبائكم الذي تستمدون وجودكم من خلال إرادته ، أو كيف تتجاهلونه ؟
قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ
فهو يهذي بكلام غير مفهوم ، ولكن موسى يتابع كلامه في الإصرار على ذلك بأساليب متنوعة من دون تقدير للنتائج السلبية المتعلقة به في حاضره ومستقبله ،
قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
هل تتطلعون - جيدا - إلى الشمس عندما تشرق في الكون في جهة معينة منه فتكشف لكم جانبا كبيرا منه يسمى بالمشرق ، وعندما تغرب في جهة أخرى فتكشف جانبا آخر يسمّى بالمغرب ، ألا يثير ذلك فيكم الشعور بأن هناك قوّة تحرّك ذلك كله في حركة النور والظلام ؟ لما ذا لا تفكرون بعقولكم لتلتقي بالحقيقة الإلهية المطلقة في الكون ، لتعرفوا أن رب العالمين الذي أدعوكم إلى عبادته في ما أحمله من رسالته هو رب السماوات والأرض وما بينهما ، وهو رب المشرق والمغرب وما بينهما ، وأن تنوّع الأسماء يشير
من وحي القرآن — صفحة 109 | السيد محمد حسين فضل الله