للأشياء غير المادية ، على أساس أن المادي في وجوده لا يستطيع أن يعيش وضوح الرؤية والإدراك الحقيقي للموجودات الغيبيّة المطلقة فيما وراء المادة ،
كَمِشْكاةٍ
تحصر النور وتجمعه ، فلا ينفذ إليه الهواء .
فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ
الذي يمثل النموذج الأعلى للإنارة ، بحيث لا يفوقه مصباح آخر في ذلك
فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ
أي : موضوع في داخل قنديل من الزجاج الذي يبلغ المستوى الأعلى من الإنارة
يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ
ليست في مواقع الشروق لتصيبها الشمس عند شروقها فقط ، وليست في مواقع الغروب ليقتصر وصول الشمس إليها عند غروبها ، بل هي في موقع لا يظلّها فيه شجر والجبل ولا حائط ، فتصيبها الشمس عند الشروق والغروب في الصباح والمساء ، مما يجعل زيتها صافيا نقيّا
يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ
ويشرق من خلال صفائه
وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ
لأنه يضيء دون إحراق ، مما يجعل إشراقه مضاعفا عند الإحراق . .
نُورٌ عَلى نُورٍ
في ما يتضاعف فيه النور من خلال المصباح ومن خلال الزجاج ومن خلال الزيت النقي الصافي . . وهكذا تكتمل صورة الإشراق الذي ينفذ إلى كل الأشياء المحيطة به والموجودة حوله ، فلا يغيب عنه شيء ، ولا يحجبه شيء ، وهذا هو المعنى الذي تريد الآية الإيحاء به ، وهو الموقع الذي ينطلق منه النور ليقتحم الظلام المحيط بالمكان ، فلا يبقى معه شيء من الظلمة .
وهذا هو نور اللّه الذي يريد للناس أن يكتشفوه ، ليكشف لهم كل غوامض الكون وظلمات الحياة وغياهب المشاكل ، في ما يتمثل به من وحيه المتحرك مع مفاهيم دينه ، ودقائق شريعته ، وتفاصيل منهجه ، فهو الذي يستطيع أن يمنحهم الهدى الذي لا ضلال معه ، والحق الذي لا باطل فيه ، والوضوح الذي لا غموض يعتوره . . وهو الذي يريد لهم أن يفتحوا عقولهم