تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 32

مساهمون:

ص٣٢

مريم عليها السّلام ولقاء الرّوح

قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
فهو الذي يجيرني منك إذا اجتاح مشاعرك خاطر الشيطان في غريزتك ، وهو الذي يمنحك قوة الالتزام بالتقوى كي لا تنجرف أمام نداء الشهوة في جسدك ، إن كنت ممن يعيشون التقوى فكرا وروحا ومسؤولية حياة أمام اللّه . وانتظرت ردة الفعل منه ، هل يستجيب لها ، في ما يلهمه اللّه من تقوى وهداية ، وفي ما يمنحها اللّه ، من خلاله ، من عطف ورعاية ؟ وجاءت المفاجأة الثانية ، بشكل أعنف ، ولكن بطريقة أخرى .
قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا
وفزعت فزعا شديدا ، يوحي بالرعب ، وينذر بالهول . . . أهو جادّ هذا الرجل ؟ هل يقول الصدق أم يكذب ؟ كيف يقول إنه رسول ربها ؟ ومن هي في الناس حتى يرسل اللّه لها رسولا ؟ ! إن ذلك من شأن الأنبياء ، وهي ليست بذلك الموقع ، هل هي حيلة لخداعها للتغرير بها لتتقبل الموقف في شعور بالقداسة ؟ ثم ماذا يقول ؟ إنه يعبر عن مهمته بأنه يريد أن يهب لي غلاما زكيّا . وكيف يحدث ذلك للفتاة العذراء دون أن تكون على علاقة بأيّ رجل ، وهي العذراء الطاهرة التي لم يحدث معها ذلك ولن تسمح له بأن يحدث ؟ ! وهتفت بكل ذعر :
قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ
فلم أتزوج من قبل لأنجب غلاما من علاقتي الزوجية ، كبقية النساء المتزوجات ،
وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا
كالنساء المنحرفات اللاتي يتصلن بالرجال خارج نطاق العلاقة الشرعية . ولكنه قطع لها حدوث ذلك ، وأوحى إليها بأنه أمر يتجاوز المألوف ، وسرٌّ لا يحيط به الناس ، فليس الغلام الذي ستنجبه وليدا يولد على طريقة التوالد الطبيعي ، بل هو معجزة إلهية أكرمها اللّه بها فجعلها موضعا لها ، ولا بد أن تنظر إليها من هذا الجانب ، بوصفها تجليا للقدرة الإلهية التي تتجاوز الأسباب