تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
وهكذا اقترب للناس حسابهم باقتراب الوصول إلى دار الحساب من دون تحديد لموعده ، هل هو بعد الموت مباشرة ، كما جاءت الروايات عن حساب القبر ، أو هو عند قيام القيامة ، عندما يقوم الناس جميعا لرب العالمين ، لأن المسألة هي إثارة الحساب في وعيهم ووجدانهم ،
وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ
فقد عاشوا الغفلة كأعمق ما يعيشها الإنسان الذي يبتعد فكره عن الحقيقة ، لأن هناك أكثر من حاجز يحجزه عنها ، فيدفعه إلى الإعراض عن كل دعوة للحق ، لأنه لا يعيش الوعي المنفتح عليه . وقد أثار بعضهم التساؤل حول الجمع بين الغفلة التي توحي بعدم الانتباه ، وبين الإعراض الذي يستلزم الالتزام ، لأنه يمثل موقفا سلبيا اختياريا من الموضوع ، والجواب عن ذلك ، أن الإعراض يعبر عن حالة سلبية واقعية ، قد تلتقي بالوعي للموقف ، أو بالغفلة عنه ، وذلك لأنه يمثل الإهمال الفعلي لحركة المسؤولية في حياته من خلال موقف الحساب . واللّه العالم .
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
فهم لا يعيشون الجدية في مواقفهم أمام المسؤولية ، بل يواجهونها من موقع اللهو واللعب ، كمن يلعب بمصيره غافلا عن النتائج السلبية التي يلاقيها . وهذا ما كانوا يمارسونه عندما كان الأنبياء يأتونهم برسالات ربهم التي ترشدهم إلى الفلاح في الحياة ، وتثير في داخلهم الشعور بالسمو الروحي الذي يلتقون من خلاله باللّه ، ويتضح لهم الكثير من المشاكل الواقعية التي تصادفهم في قضايا الفكر والحركة والشعور . فقد كانوا يستمعون إلى الأنبياء استماع اللاعب الذي لا يريد أن يشغل عقله بما يسمع ، أو يربي روحه به أو يعيش المعاناة من خلاله ، بل يريد أن يحرك حسه ، ويشغل فراغه ، فلا يكون همه مما يسمعه إلا الأصداء التي تنطلق من الكلمات ، بعيدا عن معانيها ، أو الأجواء الساخرة التي يحاول أن يثيرها في ما يتخذه من المواقف المضادة تجاهها .