تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥

بين الاستغراق في اللحظة واستيعاب المستقبل

قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
لأن تعاملي مع الأشياء يختلف عن تعاملك وتعامل الآخرين معها ، لأني أنظر إلى أبعاد القضايا في العمق على مستوى حركة الزمن في المستقبل ، بينما تنظرون إليها من خلال اللحظة الزمنية الحاضرة ، والسطح الظاهر منها . وبهذا كانت نظرتي إلى الأمور من خلال نهاياتها ، أما نظرتكم إليها ، فمن خلال بداياتها . وهذا هو سرّ المسافة بين النظرة الشاملة الكلية للحياة ، وبين النظرة المحدودة الجزئية لها من خلال ما تمثله المسافة بين البداية والنهاية . ولهذا فمن الصعب أن يصبر الفريق الذي ينظر إلى القضايا من مسافة قريبة على الفريق الذي ينظر إليها من مسافة بعيدة .
وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً
مما قد ترى فيه انحرافا عن الموازين ، التي تزن بها الأمور على أساس ما تراه قاعدة للشرعية أو ما تتصوره منسجما مع طبيعة الواقع الذي تخضع في تقييمك له لرؤية معينة ، الأمر الذي يجعلك تنتفض وتحتج وتستثير فضولك لتطرح السؤال تلو الآخر لتتعرف على طبيعة المسألة ، أو لتسجل عليها نقطة احتجاج . وهذا أمر لا غرابة فيه ، لأن الإنسان الذي ركّب تكوينه على أساس غريزة الفضول ، في ما أراده اللَّه من إثارة قلق المعرفة في ذاته كسبيل من سبل الحصول عليها ، أو الذي يملك قاعدة معينة للتفكير قد تختلف عن غيره ، لا بد له من أن يعبّر عن موقفه بطريقة متوتّرة لا تملك الصبر على ما يواجهه من علامات الاستفهام ، أو على ما يراه من مظاهر الانحراف . . . ولكن موسى عليه السّلام يصرّ على الحصول على شرف مرافقته ، لأن اللَّه يريد له ذلك ، فهو مأمور باتباعه .