تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨

تفكير من يركن إلى دنياه

وَكانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقالَ لِصاحِبِهِ وَهُوَ يُحاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مالًا وَأَعَزُّ نَفَراً
فلديّ المال الكثير الذي لا تملك إلا القليل منه ، ولديّ الأتباع الكثيرون ، بينما لا تجد إلا القليلين منهم معك ، فكيف تقف أمامي ، كما لو كنت في المستوى الواحد الذي أقف عليه ؟
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ
لأن أفكاره خيالية لا ترتكز على أساس من الواقع ، وخطواته العملية لا تنطلق في الطريق المستقيم ، ولا تلتقي بالإيمان باللَّه من قريب أو من بعيد . ومضى يسير في مشيته الزاهية بالكبر والخيلاء ، وهو يعيش أحلام الخلود في ذاته وفي ملكه ، كما لو لم يكن هناك موت .
قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً
فهذه الخضرة التي تزهو بالحياة بكل جنباتها ، وهذه الينابيع المتدفقة في ساحاتها ، وهذه الأشجار الشامخة في أجوائها . . . هي المظهر الحيّ على قوّة الحياة في داخلها ، مما يجعل فكرة فنائها فكرة لا تملك أيّة واقعية وأيّ احتمال .
وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً
فلا مسؤولية خارج نطاق الحياة . وإذا كانت المسألة - كما يقولون - تحمل بعض الجدية ، فإن مركزي يخوّلني الحصول على موقع مميز ، تكون الآخرة فيه هي صورة الدنيا التي أتقلّب فيها على فراش النعيم ، وأتحرك فيها في مواقع المجد .
وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً
لأن الآخرة تمثل المستوى الأعلى للنعيم الذي يمنحه اللَّه للإنسان بدلا عن نعيم الدنيا . وهكذا كانت صورة هذا الإنسان الذي يستريح للواقع الحاضر ، فلا يفكر في مفاجات المستقبل ، ولا يتعمّق في العناصر التي تحكم هذا الواقع وتحدد دوره وحجمه وامتداده . أما صاحبه المؤمن الفقير ، فتتجسّد لنا صورته الوديعة القوية في موقفه الساخر من ذلك كله ، فهو لا يعتبر الثراء قيمة كبيرة ترتفع