تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
الفارق الكبير بينهما ، وتميزه عنه .
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ
من هذا المجتمع المتنوع المتناقض ، الذي يحمل في داخله الكثير من العقليات المختلفة في مسألة وعي القيم المادية والروحية في الحياة ، فهناك الذين يعتبرون المادة كل شيء ، فهي الأساس في المستوى الكبير والصغير في قيمة الإنسان ، وهي العمق الذي تكمن فيه المشاعر الإنسانية التي تحكم العلاقات ، وهناك الذين يعتبرون القيمة الروحية الأساس في احتواء العلاقات الإنسانية ، والتحكم في حركة الواقع ، والارتفاع به إلى المستوى الأعلى في الحياة عندما ترتفع في وجدان الإنسان ، أو تنخفض به إلى المستوى المنحدر فيها ، مما يؤثر سلبا على مشاعره . وهكذا يتقابل هذان الرجلان ، أمام التناقض في المشاعر والمواقف في ما يتمثل به واقع كل منهما في طبيعة العيش . وقد أراد اللَّه أن يصور لنا هذين الرجلين اللذين
جَعَلْنا لِأَحَدِهِما جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنابٍ
، حيث تتهدل العناقيد كمثل اللآلئ في أعالي الكروم ،
وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ
يحيط بهما فيعطيهما جمالا وشموخا وارتفاعا ،
وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعاً
تخضرّ به الأرض وتزهو وتزدهر وتنتج الكثير مما يغذي الروح والجسد والبصر . . .
كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً
فقد أعطت كل نتاجها الشهي ، ولم تنقص منه أيّ شيء
وَفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَراً
يسقي الكروم والنخيل والخضرة المتنقلة في كل مكان ، فيمنحها الحياة والنمو والازدهار . ثم نلاحظ استسلام صاحب الجنتين لحالة الرخاء والنعيم اللذين يتمتع بهما ، واعتقاده استمرار ذلك كله في شعور طارئ بالخلود ، وثقة كبيرة بالمستقبل كله في الدنيا والآخرة ، لو كان هناك آخرة - كما يوحي تفكيره - انطلاقا من إحساسه بضخامة شخصيته ، على أساس أن حالته المالية والاجتماعية تفرض علوّ شأنه ، ورفعة منزلته ، وكرامته لدى اللَّه . ولهذا ، فإنه مطمئن إلى وضعه كل الاطمئنان .