تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
لأن هناك مساحة واسعة بين مفهوم الشخصية في الداخل من خلال المزاج ، أو في الخارج من خلال الظروف ، وبين مفهوم العنصر العقلي ، الذي يدقّق ويحاسب ويحاكم ويصحّح ويؤكد الموقف ، فقد جعل اللَّه للعقل قوّة مهيمنة على المؤثرات السلبية في حياة الإنسان ، وأردفه بالوحي الذي يفصّل له الأمور وينظّم له الخطوط ، وبذلك يبقى هناك مجال للتغيير ، وساحة للإرادة الحرّة التي تضغط على المزاج بعقل مفتوح . وبهذا يبطل السؤال الذي يقول : ما جدوى الرسالات التي توجّه إلى الناس ، إذا كان كل إنسان يعمل على شاكلته التي خلق عليها ، أو التي اكتسبها من خلال ظروفه الموضوعية ؟ ! إن المسألة لا تتعلق بحالة ضاغطة لا تترك مجالا للاختيار أو للتغيير ، بل بمناخ يثير في النفس عوامل الانحراف ، ويحرّكها في اتجاه المعصية ، في الوقت الذي يمكن للمناخ الآخر القادم من العقل أو من الوحي ، أن يحوّل الخطوات في اتجاه آخر ، ويضعف العوامل السلبية ، ويقوّي - بدلا منها - العوامل الإيجابية في خط الاستقامة والطاعة . . وهذا ما قرره اللَّه في الآية الكريمة :
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
[ الرعد : 11 ] التي أكدت على قدرة الإنسان على تغيير نفسه ، بتغيير الصورة الفكرية والشعورية الداخلية ، كوسيلة من وسائل التغيير العملي على صعيد الواقع . وهذا ما يؤكده الواقع في ما نراه من الأشخاص الذين يولدون في بيئة شريرة تضغط على طريقتهم في التفكير وأسلوبهم في الحياة ونوازعهم وتطلّعاتهم في حركة الواقع من حولهم . . . ولكنهم يتمرّدون على هذا الواقع في أنفسهم ، على أساس موقف تأمّل يوحي بالصفاء ، أو موقف فكر يقود نحو التحوّل والتغيير ، أو كلمة وحي سمعوها ، ففتحت لهم آفاقا جديدة من الحياة ،
من وحي القرآن — صفحة 217 | السيد محمد حسين فضل الله