تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
شعرتم بالآمن على اليابسة التي تثبت أقدامكم في الموقع الصلب الذي تمتد صلابته إلى أعماق الأرض ، فلا مجال للخوف من احتواء الأعماق لكم في ظلامها المميت ، كما هو البحر الذي يشد الغريق إلى القعر ، ولا يعلو به إلى السطح حتى يأخذ منه حياته . وتلك هي قصة الإنسان الذي لا يشده إلى اللَّه عمق إيمانه ، بل يربطه به خوفه من الحوادث المحيطة به ، فيحتاج إليه في خلاصه منها ، فإذا زالت الأحداث انقطعت صلته باللّه . إن الإيمان لا يتنافى مع اللجوء إلى اللَّه في حالة الخوف ، بل يؤكده ، ولكنه يريد أن يكون الالتجاء إليه مظهرا من مظاهر الإيمان ، لا مجرد حالة طارئة سريعة تأتي مع الحدث وتذهب معه ، ولا تترك أي تأثير في الداخل كما تتركه النعمة العظيمة في نفس المنعم عليه لصاحب النعمة ، بحيث يتذكره في كل وقت ، ويعترف بجميله ، ويعمل على أن يشكره بكل وسائل الشكر القولية والعملية ، لا سيما إذا كانت النعمة في حجم هذه النعمة التي تتحدث عنها الآية ، وهي إنقاذ الحياة من أخطار الموت .

الارتباط بالأمور المحسوسة

وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً
بنعمة ربّه ، لأنه يرتبط بالأمور المحسوسة في حياته الماثلة بأشخاصها أمامه ، ولا يرتبط بالغيب الذي قد يكون حضوره في حياته أعمق من الحس المتحرك حوله . ولذا فإنه يحتاج إلى المزيد من المعاناة والتفكير والجهد في ممارسة الإيحاء الذاتي بالمفردات المتحركة في حياته في حال الخوف والأمن ، والفقر والغنى ، والراحة والتعب . . . التي تربطه باللّه وتوحي له دائما بحضوره - سبحانه - في حياته في الحالات الطبيعية ، لأنه السبب الأعمق في الأشياء كلها . . . وتلمس ظواهر الأمن في بعض الأشياء لا يعني عدم قدرة اللَّه على أن يثير عناصر الخوف فيها من حيث لا يعرف ، مما أودعه اللَّه في الكون من خصائص الأوضاع المألوفة أو غير المألوفة .
من وحي القرآن — صفحة 175 | السيد محمد حسين فضل الله