تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
والمنحرفين بالمسؤولية ، من خلال انحرافهم عنها في ما ادّعوه من إيمان ، وفي ما أثاروه من حركة ، أو قاموا به من مشاريع ، لأنهم لم يأخذوا بالوسائل المشروعة للمعرفة ، بل ارتكزوا على ما لا قيمة له في حساب المسؤولية .
وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
أي لا تتبع في قولك أو عقيدتك أو عملك ما لم ترتكز فيه على أساس من علم يتمثل بالحجّة التي تكشف الحقيقة ، وتجلو الغموض ، وتثبت الفكر ، وتؤدي إلى الإيمان المستقر الثابت في عمق الفكر والشعور . وهذا ما يتمثّل في اليقين القاطع الذي لا مجال معه لأي احتمال مضادّ ، أو في الاطمئنان النفسي أو الفكري للفكرة بحيث لا يمثل الاحتمال المضاد شيئا مهمّا أمام المستوى الكبير من الرجحان في جانب الإيجاب ، أو في الوسائل العقلانية أو الشرعية التي اعتمدها العقلاء أو صاحب الشريعة كأساس للمعرفة ، بحيث تمثل الحجة المقبولة أمام اللَّه . . . ولعلّ هذا هو المراد من كلمة « العلم » - في ما جاء في القرآن من هذه الكلمة - فقد لا يكون المقصود بها القطع الذي لا يحتمل الخلاف ، بل الوعي للفكرة بالمستوى الذي لا قيمة فيه لهذا الاحتمال ، إمّا لضعفه بحيث لا يعتنى به في حركة الوجدان ، وإمّا لقيام الدليل في بناء العقلاء وفي تعليمات الشرع ، على عدم الالتفات إليه . ويقابله الشك والظن اللّذان أطلقا على ما لا حجة فيه من ناحية ذاتية أو جعليّة . وإذا لم يكن ما قلنا مضمونا وضعيا للكلمة ، فلا أقل من أن يكون اللفظ منصرفا إليه ، لكثرة استعماله فيه . وعلى ضوء ذلك ، أنكر القرآن العلم على الملحدين والمشركين والمنكرين للنبوة والرافضين للمعاد ، لأنهم لم يرتكزوا في أفكارهم ورفضهم على أساس من الحجة التي تثبت أمام النقد ، وتكشف الحقيقة ، وتواجه الفكرة المؤمنة بالفكر العلمي المنفتح ، بل اعتمدوا في ذلك على بعض الوسائل التي لا تمثل شيئا في حساب القيمة العلمية ، كالاستناد إلى عقائد الآباء الذين لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ، والارتكاز على عنصر الاستبعاد لبعض الأفكار التي