أهلها ، الذين يعمرونها بالعلم والحضارة وغير ذلك ، الأمر الذي يوحي بغلبة اللَّه وسيطرته على الكون ، فلا يتمّ شيء إلا ويتحوّل إلى نقص ، ولا يعمر شيء إلا ليصير إلى خراب ، فلا يملك الناس من أمر يريدونه من خلود وكمال وازدهار شيئا ، لأن إرادة اللَّه هي التي تحكم كل جوانب حياتهم بسننه الحتمية في الكون ،
وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ
فإذا أراد شيئا ، فإن إرادته هي الغالبة القاهرة التي لا يغلبها شيء ولا يقهرها أحد ، ولا مجال لأحد أن يكون له حكم في مقابل حكمه ليتابعه وليمنعه من الثبات والبقاء ،
وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ
لا يحتاج في حسابهم إلى جهد ، ولا يتوقف على أي شيء مما اعتاد الناس أن يتوقفوا عنده ، ليمنعهم مما يريدونه وليؤخرهم عما يقصدونه ،
وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
فدبّروا ما شاءت لهم حيلتهم في التدبير ليبطلوا سنة اللَّه في نصرة رسله وإتمام رسالته ،
فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً
فهو المدبّر القوي الذي يهيئ الأسباب للنصر من حيث لا يشعرون ، وهو الذي يقهر كل خططهم ويبطل كل مكرهم بالطرق الخفية الدقيقة التي ينظم بها الأمور ويحكم بها الكون ،
يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ
فيحيط بها من حيث تعلم ومن حيث لا تعلم ، فلا تملك أمامه أي سبب من أسباب القدرة على منع حكمه فيها في الدنيا والآخرة ،
وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ * وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا
عندما يقوم الناس لرب العالمين ، وينطلق المحسنون المؤمنون المتقون إلى الجنة في رضوان اللَّه ونعيمه ، جزاء لأعمالهم الصالحة . ويلتفت الكافرون ليروا أنفسهم في ضياع ، وضلال يؤديان بهم إلى النار ، فتتحول كل أعمالهم في الدنيا إلى حسرات عليهم ، دون أن يملكوا تغيير أي شيء منها .
قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ
فهو ، أي الله تعالى ، الذي يعلم صدق ما أقول مما ألهمني إياه ، وأوحي إلي به ، فارجعوا إلى وجدانكم الصافي ، بعيدا عن كل تعقيدات الهوى والأنانية والبغضاء ، كما رجعت إلى صفاء الرؤية في وجداني ، في ما عشته من وحيه وقرآنه ، فستجدون ما أقوله