أن يتحرك فيه ، على أساس الحكمة . وتلك هي الحقيقة الكونية التي أقام اللَّه الحياة عليها ، حيث تحكم قاعدة التنوّع والتفاضل في كل دوائر الوجود الحية والجامدة . ولكنه لم يترك للقاعدة التكوينية أن تحكم الإنسان بشكل قدري يحول الفقر والغنى إلى معيار تتحدد على أساسه قيمة الذات ، بل وضع نظاما تشريعيا يخلق التوازن بينهما على خط العدالة ، فجعل للفقير حقا في مال الغنيّ لا هدر لكرامته في أخذه ، كما جعل العطاء فريضة على الغني لا امتياز له فيه .
ولكن هذا الحديث كله ليس ما تريد الآية أن تثيره وتفيض فيه ، بل هو مقدّمة لحديث آخر يتعلق بحركة العقيدة في وعي الإنسان لقضية التوحيد للَّه
فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَواءٌ
أي فإذا كان اللَّه قد فضّل بعض الناس على بعض في الرزق ، فإن الذين فضلوا لا يقبلون بالتنازل عما يملكونه من امتيازات ، لمن ملكوه من عبيد وإماء ليكونوا سواء في ذلك ، فكيف يمكن أن تساووا اللَّه الذي يملك القدرة كلها بهؤلاء الشركاء الذين تدعونهم من دون اللَّه الذي لا يملكون شيئا معه ؟ ! هذا أحد الوجوه التي ذكرت في تفسير هذه الفقرة من الآية .
وقد ذكر هناك وجه آخر - كما جاء في الكشاف - : « إن الموالي والمماليك أنا رازقهم جميعا ، فهم في رزقي سواء ، فلا تحسبن الموالي أنهم يردون على مماليكهم من عندهم شيئا من الرزق ، فإنما ذلك رزقي أجريه إليهم على أيديهم » « 1 » .
وهناك وجه ثالث - ذكره الزمخشري - قال : « أي جعلكم متفاوتين في الرزق ، فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم وهم بشر مثلكم وإخوانكم ،
هامش
( 1 ) الزمخشري ، أبو القاسم جار اللَّه محمود بن عمر ( الخوارزمي ) ، الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل ، دار الفكر ، ج : 2 ، ص 419 .