تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 19

مساهمون:

ص١٩
التي كانت مشرقة بضوء النهار ،
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
لأن الفكر إذا تحرّك على مستوى الظواهر بما توحيه وتدلّ عليه ، يستطيع أن يدرك طبيعة الحكمة في انسجام القوانين المشتركة التي تخضع لها تلك الظواهر ، وفي الأسرار البديعة التي تختزنها خصائص كل واحدة منها ، فينتهي إلى الإيمان عند الإله الواحد الذي يبرر معنى وجود الكون وحركته السائرة إلى مستقرها المرسوم .
وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ
متقاربات في الموقع والطبيعة والجو ولكنها مختلفة من طيبة إلى سبخة ، ومن صلبة إلى رخوة ، ومن صالحة للزرع والشجر إلى أخرى عكسها ، مع التقائها جميعا على طبيعة واحدة ، هي خصوصيتها الأرضية ،
وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ
تختلف في أشكالها وأنواعها وخصائصها ،
وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ
، والصنوان جمع صنو : وهي النخلة لها رأسان وأصلهما واحد ،
وَغَيْرُ صِنْوانٍ
وهي النخلة ذات رأس واحد ، في مقابل النخلات الأخرى ،
يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ
فلا فرق بين الماء الذي تسقى به هذه ، والماء الذي تسقى به تلك ، فمن أين جاء هذا التغاير في الخصائص ،
وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ
إذ تتميز كل واحدة عن الأخرى في إنتاجها ، وإذا كان التمايز موجودا في الأسباب الأولى ، فكيف يكون تفسير ذلك على المستوى الأعمق الذي يلتقي فيه الجميع عند طبيعة واحدة لا تملك أيّ نوع من أنواع التمايز ، مما يبعث على التساؤل من جديد : كيف حدث هذا ، ومن أين ، ومن الذي أودع سرّ التنوّع في الأشياء ما دامت الأشياء لا تملك في ذاتها ما يحتم تمايزها !
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
ويحرّكون عقولهم لمعرفة الحقيقة الإيمانية التي تشير إلى أن اللَّه وحده هو الذي أبدع ذلك كله ، وهو الذي أودع في الطبيعة الواحدة سرّ الاختلاف في الأنواع والأصناف والأفراد .
من وحي القرآن — صفحة 19 | السيد محمد حسين فضل الله