يتحوّل إلى رميم أمام التجلي الإلهي ، الذي قد يكون كناية عن تسليط نوره عليه ، فكيف يمكن لمخلوق مثله أن يواجه نور اللَّه ، فضلا عن أن يواجه اللَّه بذاته ، لو كان ذلك أمرا ممكنا في نفسه ؟ !
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ
بنوره ،
جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً
، أي مصعوقا من هول الصدمة المرعبة حتى أغمي عليه ،
فَلَمَّا أَفاقَ
وتجلّت له الحقيقة الإلهية في جلال العظمة التي لا يقترب منها بصر ولا يحيط بها فكر ، وشعر بأنه قد تجاوز الحدّ في طلبه للرؤية - سواء كان ذلك منطلقا من رغبة ذاتية يحس بها في نفسه ، أو كان منطلقا من رغبة قومه إليه - رجع إلى اللَّه وأناب ، وأعلن التوبة كتعبير عن الندم الروحي ، دون أن يكون في ذلك عصيان ، حتى لا ندخل في مسألة العصمة التي تنفي المعصية .
قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ
في إحساس عميق بالعظمة الإلهية يدفعه إلى التسبيح ، وفي شعور بالندم يدعوه إلى التوبة .
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
في الدرجة العالية من الإيمان الذي ينطلق ليسبّح اللَّه في آفاق عظمته بالفكر والكلمة والشعور ، وفي آفاق شريعته بالطاعة والإخلاص والخشوع .
اصطفاء الله تعالى موسى
قالَ يا مُوسى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي
، واخترتك من بين الناس لما تملكه من صفاء الإيمان ووضوحه وعمقه ، ومن قوّة العزيمة ، وصلابة الإرادة ، وصدق الموقف ، وصبر المعاناة ، وهذا ما يجعل للأنبياء صفة مميّزة يستحقّون بها اختصاص اللَّه لهم برسالاته ، لأنّ الذي يحمل الرسالة لا بد أن يعيش روحيّتها وأخلاقيتها وأفقها الواسع ، ويمتلك الخصائص الفكرية والعمليّة التي تجعل من تجربته ، في خط الرسالة وحركتها ، تجربة ناجحة على مستوى القدوة العظيمة في حساب النتائج الرسالية للحياة .
وقد نلاحظ في هذا التعبير القرآني الجوّ الحميم الذي أراد اللَّه لموسى أن