المضمون الإيماني من ناحية فكرية وروحيّة ،
حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
فهم لا يدخلون جوّ الجدال بروحية من يريد أن يناقش الفكرة ، في إطار من التفكير المسؤول والحوار الهادف ، بل يدخلونه ليؤكدوا صدور الدعوة عن أسباب تبخس من قيمتها لا ليناقشوا أمرها . . فهم يقولون عن كل هذا الحق الذي يدعو إليه الإسلام ، إنه من أكاذيب الأولين وأساطيرهم ، ولكن كيف اكتشفوا ذلك ؟ وما هي الحجة على هذه الدعوى ؟
ليس في ذلك أية مشكلة لديهم ، لأنّ كل هدفهم هو إثارة الضباب وتشوية صورة الدعوة من خلال شعارات تتفاعل في نفوس البسطاء من الناس ، فينفصلون عن خط الدعوة ، ويبتعدون عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلّم .
الكافرون ينهون عن الإيمان ويبتعدون عنه
وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ
فلا يكتفون بالإنكار الذاتي بل يعملون على محاربته وإبعاد الناس عنه ،
وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ
ويبتعدون عنه بكل ما لديهم من الوسائل المادية والمعنوية ، لأن المساحة الفاصلة بين طريقتهم في التفكير المتحركة في أجواء العبث ، وبين طريقة النبي صلى اللَّه عليه وآله وسلّم المتحركة في خطّ المسؤولية ، مساحة كبيرة جدا ، مما جعل من مسألة ابتعادهم عنه وإبعاد الناس عن دينه مسألة تمتد إلى عمق شخصيتهم وتفكيرهم في كل قضايا الحياة . ولكنهم لا يضرونه في ذلك كله ، لأن الرسول لا يتحرك من حالة شخصية في ما يريد أن يتقدم فيه أو يتأخر ، أو في ما يعمل عليه من جمع الناس من حوله ، بل يتحرك من موقع رساليّ يتصل بحياة الآخرين من ناحية فكرية وعمليّة ، فهو لا يحسّ بمشكلة الفراغ أو الامتلاء من ناحية ذاتية ، فقد حسم المسألة قبل ذلك مع نفسه ، باعتبار أنَّ الصلة باللَّه هي أساس القوّة ، وقاعدة الاكتفاء ، حيال ما يواجهونه به من عنت أو اضطهاد ، ومن ترحيب وانتصار في كلمته