تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
المجلس ، لأن المطلوب ليس مقاطعة هؤلاء ، بل إعلان الموقف الرافض لمثل هذه الأجواء والمواقف المضادّة . تلك هي الحالة الطبيعية للمؤمن الواعي الذي يعيش حياته اليومية مع الناس الآخرين بيقظة وتمييز للخطوط الفاصلة بين الإيمان والكفر ، ويشعر باختلافه عن الكافرين ، فإن المفروض منه أن يؤكد إيمانه بالتعبير عنه باتخاذ مواقف إيجابيّة أو سلبية ، وذلك من موقع المسؤولية أمام اللَّه . فإذا غفل عن ذلك ، أو ضعفت إرادته ، فنسي ، استجابة منه للشيطان ولضعفه البشري ، خوفا من الخسائر المادية أو المعنوية أو المشاكل التي تحدث له من قبل هؤلاء إذا ما تعرض لهم ، أو احتجّ عليهم ، أو أعلن التمايز بين موقفه وموقفهم ، فإن عليه أن يستغفر اللَّه من ذلك ، ويفتح قلبه للذكرى المنطلقة من وحي اللَّه في آياته ، ويؤكد موقفه من خلالها ، فيعيش الحذر الدائم ، من الوقوع من جديد في حالة الغفلة والضعف ، فلا يعود مرّة أخرى ، بعد هذه الذكرى ، إلى الوقوع في التجربة الصعبة ، فيستسلم للموقف الضعيف الذي تفرضه عليه مجاملته للقوم الظالمين .
وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
ثم تعود الآية الثانية لتضع المسألة في نصابها الصحيح . . فليس المتقون مسئولين عما يخوضه هؤلاء من الكفر والضلال ، بل إن الكافرين أنفسهم هم المسؤولون عن ذلك كله ، لأن اللَّه لا يؤاخذ إنسانا بجريرة غيره ، ولكنه أرادها ذكرى لهؤلاء ، وصدمة عمليّة لهم من قبل المتقين عندما يواجهونهم بالموقف السلبي الرافض الذي يوحي إليهم بأن الأجواء من حولهم ليست ملائمة لتوجهاتهم . فقد يدفعهم ذلك إلى التفكير الواعي العميق ، فيدخلون معه في حسابات جديدة ، تثير أمامهم أجواء التقوى التي أراد اللَّه للناس أن يعيشوا فيها بما تمثله من الصراط المستقيم .
من وحي القرآن — صفحة 157 | السيد محمد حسين فضل الله