بالحقيقة من أقرب طريق .
النبوة وعلم الغيب
وهنا نقطة ، وهي مسألة نفي النبي في حوارة مع المشركين علمه بالغيب ، فقد جاء في الميزان ، قال : المراد بنفي علم الغيب ، نفي أن يكون مجهّزا في وجوده بحسب الطبع بما لا يخفى عليه معه ما لا سبيل للإنسان بحسب العادة إلى العلم به من خفيات الأمور كائنة ما كانت « 1 » . وهذا هو التصور القرآني الصحيح الذي يؤكد نفي الفعلية لعلم الغيب من الناحية الوجودية بمعنى أن يكون مجهّزا في تكوينه البشري بالقدرة الخاصة لعلم الغيب بحيث يتحرك نحوه - في فعليته - بشكل طبيعي ، بل المسألة هي أن اللَّه قد يطلعه على بعض غيبه مما يحتاجه في نبوته من أمور المستقبل ومن خفايا الأمور كما في قصة عيسى عليه السّلام :
وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ
[ آل عمران : 49 ] ونحو ذلك ، ولعل هذا هو الذي
أشار إليه أمير المؤمنين علي عليه السّلام في إخباره بالمغيبات عن سؤاله « هل هذا علم بالغيب ؟ » - في تصورهم للمعنى الذاتي للعلم من خلال القدرات الخاصة التي يملكها في ذلك - فأجاب « وإنما هو تعلُّم من ذي علم » « 2 »
وهذا هو الذي عبر عنه بعض المفسرين « هو علم الغيب بالعرض » أي تعلم من عالم الغيب .
وخلاصة الفكرة : هي أن اللَّه كان يطلع رسله بطريقة التعليمات التدريجية المحدودة على الغيب كما في قوله تعالى :
عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً
[ الجن : 26 ] ولم يكن علم الغيب منطلقا من قدرة تتحرك بالفعلية ليعلم بالغيب كل ما أراد من خلالها بحيث إن اللَّه أعطاه ذلك من خلال القاعدة المنتجة للعلم في نفسه . واللَّه العالم .
هامش
( 1 ) تفسير الميزان ، ج : 7 ، ص : 97 .
( 2 ) نهج البلاغة ، الخطبة / 128 .