من أصحاب الديانات لتعميق الشعور بالحقد والبغضاء في أوساط المجتمع المؤمن في مواجهة المجتمعات الأخرى ، بل القضيّة هي إيجاد الفواصل الفكريّة والروحيّة الّتي تساعد على المنع من وقوع المسلمين في قبضة الميوعة الفكريّة والسذاجة العمليّة ، اللتين قد تحصلان من انجذابهم إلى ظواهر الأشياء وابتعادهم عن خلفياتها وجذورها ، ليكون التعايش - عندما يفرضه الواقع - منطلقا من حالة وعي واقعيّة ، في ما يتعاون عليه المجتمع ، من الشؤون العامّة والقضايا المشتركة ، لا من حالة استغفال لأحد الفرقاء للآخر في ما يريده من أوضاع وعلاقات .
ولهذا رأينا الإسلام يؤكد في أكثر من آية قرآنيّة على بعض الجوانب الإيجابيّة لدى النصارى في سلوكهم العملي ، من خلال الخطوط الأخلاقيّة الموجودة لديهم في تعاليمهم ، في مقابل اليهود الّذين اعتبرهم
أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا
[ المائدة : 82 ] ، لانطلاقهم من كل المواقع السلبيّة ضدّهم . ونراه يؤكد على أنّ الخط الفاصل الذي يحكم إيجابيّة العلاقات وسلبياتها هو السلام الّذي يشعر به الآخرون تجاه المسلمين وعدم العدوان في ما يمثّله من تصرفات وأعمال ، الأمر الّذي يدعو المسلمين إلى البر والعدل في التعامل معهم ، فليست القضيّة أنّ هناك حقدا يراد تأجيجه في الصدور ، بل القضيّة أنّ هناك وعيا يراد تعميقه في العقول ، وأنّ هناك واقعيّة يراد تأكيدها في المواقف ، ولعلّ هذا هو السر في هذا التشديد على الّذين يتولونهم من المسلمين ،
وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ
لأنّ ذلك يوحي باللّامبالاة لدى هؤلاء في ما يفكر به الآخرون من أفكار ، وفي ما يتخذونه من مواقف ، ويؤدي بالنتيجة إلى ابتعاد اللّامبالين عن مجتمع المسلمين ، واقترابهم من مجتمع الكفر ، كما نجده في بعض الفئات الّتي قد تنجذب إلى خط الأعداء على أساس ما تأمل لديهم من أطماع وشهوات ، لتكون في النهاية سلاحا بيد الكافرين ضد المسلمين ، فيظلمون أنفسهم بالانحراف عن خط الحق ويظلمون