القتل لديه ، فهو لم يقل له إنّك إن أردت قتلي سأسهّل عليك الأمر وأضع نفسي في تصرفك ، بحيث لا أدافع عن نفسي ، ولا أتّقي القتل ، وإنّما قال : « ما كنت لأقتلك . . » كما لم يقل : إني أرغب بأن تقتلني لتكون من الظالمين ، لأنّ هذا من قبيل التسبيب بضلال الآخر وشقائه وهو من الظلم والضلال سواء في ناموس الفطرة ، أو في أحكام الشرع ، وإنّما قال :
إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي
ذلك على تقدير بسطك يدك لي لتقتلني . فصيلة تقدير الأمر هنا هو دورانه بين أن يقوم هابيل بقتل أخيه فيكون هو الظالم الحامل للإثم الداخل في النّار ، أو يقتله أخوه فيكون هذا مصيره . . فمع دوران الأمر بين هذين الاختيارين ، كان اختيار هابيل أن يكون مقتولا على أن يكون قاتلا مأثوما ظالما داخلا في النّار .
وفي مطلق الأحوال لقد كان الحوار بينهما يتحرك في دائرة الحادثة القربانيّة على مستوى تهديد هذا بقتله ورفض ذاك القيام برد الفعل في هذا الاتجاه ، مما جعل الحديث عن الإثم في القتل أمرا طبيعيا في أسلوب الحوار .
إغراءات القتل
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ
ليس المراد هنا أن طوّعت متضمنة لمعنى انقادت أو سوّلت ، بل إنّ التطويع يدل على التّدريج ، كما تدل الإطاعة على الدفعة ، كما هو الغالب في بابي الإفعال والتفعيل . فالتّطويع في الآية اقتراب تدريجي للنفس من الفعل بوسوسة بعد وسوسة ، وهمامة بعد همامة ، تنقاد لها حتّى تتمّ لها الطاعة الكاملة . فالمعني : انقادت له نفسه ، وأطاعت أمره إياها بقتل أخيه طاعة تدريجيّة ، فقوله :
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ
من قبيل وضع المأمور به