مع الرسالة ، بعد أن قامت عليهم الحجة من اللَّه ووضح لهم الحق ، ولم يعد لهم عذر في أية شبهة أو شك أو رأي مضاد ، فإن المفروض فيهم أن ينسجموا مع الدلائل التي يقدّمها لهم الرسول ، وينطلقوا في خط الإيمان على النهج الذي يسير فيه المؤمنون في حياتهم العملية ككل إنسان يواجه الحق في مواقع الوضوح ؛ فإذا انحرفوا عن ذلك ، تركهم اللَّه لما يتولونه من نهج أو طريق ، وعذّبهم في نار جهنم التي تمثل سوء المصير .
وقد ينبغي لنا أن نلاحظ هذه اللفتة القرآنيّة المعبّرة ؛ وهي أن اللَّه لم يواجه الإنسان بالعقوبة والإبعاد ، من خلال إنكاره للحق أو مخالفته للرسول ؛ بل واجهه بذلك على أساس وضوح الأمر لديه وقيام الحجة عليه ، بالمستوى الذي لا يملك معه عذرا مقبولا في الإنكار والانحراف عنه ، مما يوحي بأن لديه عقدة مرضية تتحرك في خط العناد وإثارة الفتن والمشاكل ؛ وبذلك تكون العقوبة على ما يحمله الإنسان من روح التمرّد على اللَّه ، لا على مجرد ما يحمله من رأي مخالف .
من إيحاءات الآية
وربما يستوحي البعض من هذه الآية عدة أمور .
الأمر الأول :
قوله تعالى :
نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى
، فقد يستدلّ بها على أن اللَّه يحمّل الإنسان مسؤولية اختياره ، مما يوحي بأن الإنسان مختار في فعله وليس مجبرا .
الأمر الثاني :
قوله تعالى
مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى
. فقد يستوحى منها أن المسؤولية تنطلق من وضوح الحق للإنسان المنحرف عن الخط عمليا بعد أن قامت الحجة عليه في ذلك ، وعلى ضوء ذلك ، فإن الإنسان الذي حاول معرفة الحق بجهده وسعى إلى ذلك بالوسائل المتعارفة ولم يصل إلى المعرفة