العلم الذي وهبه اللَّه لنبيه مما يتعلق بأنباء الغيب والكتاب والإيمان ، لم يكن مما يعلمه النبي محمد صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم قبل ذلك ، أمّا تفسير كلمة
رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
بروح القدس التي تسدده وتعصمه عن المعصية والخطيئة ، فهو غير ظاهر من الآية ، لا سيما أن اللَّه جعلها موضوعا لوحيه ، مما يدل على أنها من نوع المعرفة التي يلقيها اللَّه بالوحي على نبيه من أمره الذي هو سرّه وشأنه . وعلى كل حال ، فإنه لم يأت بدليل على أن هذا العلم الذي علّمه اللَّه لنبيّه من الأمور التي لا نفقهها ولا ندركها ، باعتبار أنها سرّ اللَّه ، الذي يختلف عن الكتاب والحكمة إلا من جهة العطف بالواو الذي يدل على التغاير ، ولكنه - بقرينة الآيات الأخرى - ظاهر في العطف التفسيري لبيان نكتة مهمة ، وهي أن ما أوحى به اللَّه إليه لم يكن معلوما عنده .
أمّا الاستدلال عليه بأن مورد الآية ، قضاء النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم في الحوادث الواقعة والدعاوي التي ترفع إليه ، برأيه الخاص ، وليس ذلك من الكتاب والحكمة بشيء ، وإن كان متوقفا عليها ، بل هو رأيه ونظره الخاص ؛ فهو غير دقيق ، لأن رأيه الخاص ليس حالة ذاتية تنطلق من علم غيبيّ خفيّ لا يعلمه أحد ، لأنه لا يحكم إلا بالوسائل الشرعية التي وضعها اللَّه بين يديه مع مراعاة الخطوط التشريعية التي تمثل الأحكام المتصلة بالقضايا العامة والخاصة للناس ، وهذا هو ما نستوحيه من
الحديث المأثور عنه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم أنه قال : « إنما أقضي بينكم بالبينات والإيمان وبعضكم ألحن بحجته من بعض ، فأيما رجل قطعت له من مال أخيه شيئا فإنما قطعت له به قطعة من النار » « 1 »
، مما يوحي بأن ما ذكره العلامة الطباطبائي حجة على اختلاف مدلول قوله تعالى :
وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
عن الكتاب والحكمة ، غير صحيح ، لا سيما وأننا نعرف أن القضايا التي يختلف فيها الناس تتحرك في دلائلها من خلال الواقع
هامش
( 1 ) الوسائل ، م : 18 ، باب : 2 ، ص : 169 ، رواية : 1 .