تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 190

مساهمون:

ص١٩٠
للإنسان في وجوده الفردي والاجتماعي ، والانطلاق من الضمير الإنساني الذي يخضع للحسابات الدقيقة المانعة من السقوط والانحدار ؛ الأمر الذي يجعل الحرية - بحسب طبيعتها الذاتية وتقاليدها الاجتماعية - مرادفة للعفة ، أما الأمة ، فإن انتقالها من مالك إلى مالك - بحسب طبيعة الواقع التجاري الذي يجعلها سلعة تتناقلها الأيدي - يجعلها بعيدة عن الإحصان وقريبة إلى الابتذال ، بالإضافة إلى افتقادها - في هذا الضياع الإنساني في مدى حركية الملكية - العمق الذي يشدّها إلى العائلة ويربطها بتقاليدها ويحصنها بقيمها ، ويدفعها إلى الالتزام بشرف العائلة وتقاليدها وعزتها ، الأمر الذي يبتعد بها عن صفة الإحصان من حيث طبيعة الأمور . ولكن ليس معنى ذلك أن الأمة لا تكون عفيفة دائما ، وأن الحرة تلتزم العفة دائما ، بل المسألة تنطلق من خلال مناسبة التعبير على أساس مناسبات الواقع ، وهذا هو الذي يجعل من الارتباط الزوجي بالحرة ضمانة لاستقرار العفة في العلاقة الزوجية بالنسبة إلى المرأة ، مما لا يتحقق في الارتباط بالأمة ، ولكن ذلك لا يعني إسقاط الزواج بالأمة عن الشرعية ، فللمؤمن الذي لا يتمكن من القيام بالالتزامات المادية في الزواج بالحرة ، أن يجد الفرصة لصيانة نفسه عن الحرام وللحصول على السكن الروحي والجسدي في العلاقة الزوجية في الزواج بالإماء بشرط أن يكنّ مؤمنات ، وهذا ما قررته الآية ، فإذا لم تتمكنوا من الزواج بالحرة
فَمِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ
. والخطاب موجه إلى مجموع المؤمنين لا إلى المالكين ، لأنه لا معنى لأن يتزوج الإنسان بأمته وهي ملك يمينه ، بل هي موجهة إلى الذين يريدون الزواج بإماء الآخرين
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ
فإذا كنّ مؤمنات تعرفونهن من خلال كلامهن وسلوكهن وانفتاحهنّ على أجواء الإيمان ، وكنتم مؤمنين في قلوبكم وألسنتكم وأوضاعكم ، فإن الإيمان يتحوّل إلى رابطة تتساوى فيها إنسانيتكم ، فلا تعود الرقّية حاجزا يقف بين