مطامعه الذاتية ، أمّا حسابات اللَّه والدار الآخرة ، فهي مؤجّلة دائما ، بل ربما كانت من الأمور الثانوية المفعول عنها التي لا يدخلها في حسابه ، حتى إذا واجه الموت وضاقت عليه نواحي الحياة قال :
إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
ولكنها ليست توبة ، بل هي محاولة هروب من حراجة الموقف بالانطلاق بالكلمة السريعة التي يواجه بها الكثيرون من الناس المواقف الصعبة ، من أجل أن يتخففوا بذلك من حراجة المشكلة ؛ ثم يرجعون عنها إذا كان هناك مجال للرجوع .
وبذلك لا تكون هذه الكلمة تعبيرا عن موقف وعي ، وإرادة تغيير ، بل تكون تعبيرا عن حالة تخلّص من المأزق الصعب . ويتمثل هذا النموذج في نوعين من الناس : المؤمنين الذين يعيشون الإيمان فكرا بعيدا عن الممارسة ، والكافرين الذين يواجهون الموت بالكفر ، من دون عمق في الفكر والشعور وامتداد في مجال الالتزام والممارسة . وقد أكّدت الآية أن هؤلاء لا تقبَل توبتهم بل ينتظرهم العذاب الأليم .
وقد جاء في الحديث عن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم في آخر خطبة خطبها : من تاب قبل موته بسنة ، تاب اللَّه عليه . ثم قال : إن السنة لكثيرة ، من تاب قبل موته بشهر ، تاب اللَّه عليه . ثم قال : إن الشهر لكثير ، ومن تاب قبل موته بجمعة تاب اللَّه عليه ، ثم قال : إن الجمعة لكثيرة ومن تاب قبل موته بيوم تاب اللَّه عليه . ثم قال : إن يوما لكثير ، ومن تاب قبل موته بساعة ، تاب اللَّه عليه . ثم قال : وإن الساعة لكثيرة ، ومن تاب وقد بلغت نفسه هذه - وأهوى بيده إلى حلقه - تاب اللَّه عليه « 1 »
. وسئل الإمام جعفر الصادق عليه السّلام عن قول اللَّه عز وجل :
وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ
هامش
( 1 ) الفقيه ، ج : 1 ، ص : 133 ، رواية : 351 .