وفي الرواية الثانية : دلالة على أن الآية لا تنغلق على الناس الذين عاشوا في عهد الدعوة الأول ، ولو كانت قد نزلت فيهم ، بل هي منفتحة على كل السالكين في هذا السبيل الجهادي والعملي في خط الإسلام ، لأنه لا خصوصية - من حيث المبدأ - للمرحلة الأولى إلا من خلال أفضلية الموقف في عناصره القيميّة بعيدا عن الزمن في خصوصياته ، فقد يكون المتأخرون متميزين ببعض الخصائص التي تميزهم عن المتقدمين ، وقد تكون مرحلة التأسيس أكثر غنى في بعض عناصرها من المراحل التالية بلحاظ قسوة الاضطهاد التي عاشها المسلمون في بداية الدعوة .
العقل هو المنهج الأصيل لاكتشاف الحقيقة الإلهية
ما هو المنهج الأصيل الذي يمكن للإنسان أن يكتشف به الحقيقة في وجود اللّه ، وفي اللقاء به ، وفي الشعور بعظمته التي تستولي على الفكر والقلب والشعور ؟ هل هو الفلسفة في أسلوبها التحليلي الذي يغرق الإنسان معه في الآفاق التجريديّة ، وفي فرضيّاتها التي تقترب من الخيال أو تعيش معه ؟
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ
. إنّ القرآن يحدّد المنهج في الفكر الذي يلاحق الظواهر الكونيّة في عملية تأمّل وتدبّر وتفكير ، فليس للإنسان أن يحدّق في كتب الفلسفة ، بل عليه أن يحدّق في كتاب الكون ، ليفكر في خلق السماوات والأرض وما يتمثل فيهما من قوانين طبيعية تنظم لهما المسار ، وتربطهما بالحكمة في كلّ الحركات والسكنات والدقائق التي تتعلق بهما ، وليرصد حركة الليل والنهار ، وكيف تختلف في الزيادة والنقصان حسب اختلاف الفصول والأزمنة ، فيعرف أن هناك سرّا عميقا وراء ذلك كله ، فيكتشف أن هناك عقلا واسعا كاملا يخطّط للكون ونظامه ، وإرادة قويّة فاعلة قادرة تسيطر عليه وتوجه حركته وتمسكه وتحفظه من الانهيار