تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
من هنا ، فإنّ المعرفة مسؤولية الأشخاص الذين يملكونها ، فقد أخذ اللّه ميثاقهم على أن يقدموها للناس ويبذلوها ، لينطلق الناس في خط الوعي الذي يفتح لهم حياتهم على قضايا الحق والهدى والإيمان ، فتتحرك من مواقع النور وتبتعد عن آفاق الظلام ، بينما يتحوّل كتمانها واستغلالها لمطامع شخصية أو فئوية ، إلى عنصر من عناصر الضلال والضياع والاستسلام للجهل والانحراف ، وهذا ما لا يريده اللّه لعباده ، في ما يريده لهم من الانفتاح على ما فيه صلاح أمورهم والابتعاد عما فيه فسادهم . . . وقد أكّد اللّه المسؤولية على الذين أوتوا الكتاب في ما حمّلهم من كتابه ، واعتبر قضيّة إبلاغه للناس ميثاقا بينه وبينهم ، وأراد لهم من خلال ذلك أن لا يتاجروا به ليشتروا به ثمنا قليلا ، لأن التجارة إذا دخلت في وعي حملة الكتاب وسيطرت على مسيرتهم ، كانت وسيلة من وسائل الإفساد للأمة ، ذلك كونها تخضع لقانون العرض والطلب ، وأساليب الربح والخسارة ، في ما يتعامل به المتاجرون من أوضاع وأساليب . وقد أساء هؤلاء إلى أنفسهم وإلى الناس حين أساءوا إلى هذا الميثاق الإلهي ، فكتموا كتاب اللّه عن الناس ، ولم يبيّنوه لهم ليعرفوا من خلاله قواعد الحق والباطل ، فينطلقوا مع الحق ودعاته عن معرفة ، ويبتعدوا عن الباطل وأهله عن معرفة . . . ونبذوه وراء ظهورهم ، فلم يحترموا مفاهيمه ، ولم يكترثوا به ،
وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا
وخانوا الميثاق ،
فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ
، لأن هذه الأموال التي يقبضونها لقاء انحرافهم وتحريفهم لكتاب اللّه لإرضاء أطماعهم وشهواتهم ، سوف تفسد عليهم مصيرهم في الدنيا والآخرة ، وتحرق أصابعهم ، وتعرّضهم للعنة الأبديّة عند اللّه . وذلك هو جزاء المفسدين . وقد لا نحتاج إلى التأكيد على استيحاء المفهوم الشامل الذي لا يجعل الآية في حدود هؤلاء الذين تحدثت عنهم من أهل الكتاب ، بل يمتد إلى كل من حمل كتاب اللّه وعرف آياته وأحكامه ، سواء كان الكتاب توراة أو إنجيلا أو قرآنا ، لأن الفكرة هي أن الحقيقة أمانة اللّه عند أهلها ، فلا يجوز لهم أن
من وحي القرآن — صفحة 444 | السيد محمد حسين فضل الله