رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم انطلق إلى الصخرة وهو يدعو الناس ، فأوّل من عرف رسول اللّه كعب بن مالك ، قال : عرفت عينيه تحت المغفر تزهران ، فناديت بأعلى صوتي : يا معشر المسلمين ، أبشروا فهذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، فأشار إلىّ أن اسكت ، فانحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم النبي على الفرار ، فقالوا : يا رسول اللّه ، فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، أتانا الخبر بأنك قتلت ، فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين ، فأنزل اللّه تعالى :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ
الآية « 1 » .
الرسالة أصل والقيادات حملتها
في هذه الآية تأكيد قرآني على أحد المبادئ الإسلامية الإيمانية ، وهو أن غياب القيادة ، مهما كانت عظيمة ، لا يوقف المسيرة ولا يلغي الرسالة - المبدأ ، لأن عظمة القائد في حساب الرسالات لا تجمدها عند حدود حياته لتنتهي بانتهاء حياته ، بل تمثّل - بدلا من ذلك - خطوة أولى نحو الانطلاقة المستمرة في الدرب الطويل ، ومرحلة متقدّمة من مراحل العمل ، ثم تتبع الخطوة خطوات على الطريق ، وتنطلق المراحل الجديدة على درب المرحلة القديمة . . .
فالرسالة هي الأصل والقاعدة ، والقيادات المتتابعة تمثل دور الحملة لها ، فقيمتهم بمقدار ما يقدمون لها من خدمات وتضحيات ، وعظمتهم بقدر ما يواجهونه من مواقف الصدق والإخلاص ، الأمر الذي يلغي من المسيرة عبادة الشخصية التي توحي بأن الشخص هو الأساس والرسالة شأن من شؤونه وميزة من ميزاته ، وليس الأمر بالعكس ، كما هو منطق الرسالات . ولهذا كان القرآن حاسما في معركة أحد عندما تعرّضت حياة الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلم للخطر ، وظن بعض الناس أنه قد مات ، وصاح بعضهم : إن محمّدا قد قتل ، وحدثت البلبلة
هامش
( 1 ) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 848 - 849 .