تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩

الأمر للّه والشفاعة للرسل

لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
في مصير هؤلاء الناس الذين حاربوك لتحدد - أنت - ذلك بطريقتك الخاصة ، لأن اللّه لم يجعل للأنبياء ذلك إلا في دائرة خاصة من خلال وسيلة الدعاء تارة والشفاعة أخرى ، فهما يتحركان من خلال ما حدّده اللّه لك من منهج ومواقع ، فليس لك أن تشفع إلا لمن ارتضى أو تدعو إلّا لمن يريد اللّه لك أن تدعو له ، ويبقى الأمر للّه أن يعذبهم إن شاء أو يتوب عليهم ويغفر لهم إذا أراد ،
أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ
انطلاقا من حكمته العميقة الشاملة في العذاب والمغفرة اللذين لا ينطلقان من حالة طارئة أو الخضوع لضغط معين كما هو عند الناس ، بل ينطلقان من السنّة الإلهية من موقع الحكمة في ذلك كله ، فله أن يغفر لهم يتوب عليهم ، وله أن يعذبهم ،
فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ
يستحقون العذاب ، كما يمكن أن تنالهم المغفرة عند توفر عناصرها فيهم من خلال إنابتهم إلى اللّه وعودتهم إليه .
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ
فله الكلمة العليا في شؤون مخلوقاته ، وله الإرادة الحاسمة الفاعلة في مصيرهم في الدار الآخرة ، لأنه يملك الأمر كله في الدنيا والآخرة ،
يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ
المغفرة له
وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ
عذابه ،
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
فقد سبقت رحمته غضبه ، فيبقى الأمل لكل المذنبين في التعلق برحمته ليستريحوا في ساحة غفرانه ، ولا مجال لليأس من ذلك كله ، ولكن المسألة تبقى متحركة بين الخوف والرجاء ، لا سيما أن اللّه لم يعين مواقع المغفرة والعذاب . وقد قيل : إنّما علّق الغفران والعذاب بالمشيئة ، لأن المشيئة مطابقة للحكمة ، فلا يشاء إلا ما تقتضي الحكمة مشيئة . وسئل بعضهم : كيف يعذب اللّه عباده بالإجرام مع سعة رحمته ؟ فقال : رحمته لا تغلب حكمته ، إذ لا تكون رحمته برقة القلب كما تكون الرحمة منا « 1 » .
هامش
( 1 ) مجمع البيان ، ج : 2 ، ص : 833 .