رغبة في التقدم إلى موقف الآخر أو إلى منتصف الطريق حيث تنتظرهم الحقيقة هناك . وبذلك ، فإن المشكلة في الخلافات الدينية - في أغلب الحالات - روحية ونفسيّة أكثر منها فكرية وعلميّة . ونحن نعرف أن الوصول إلى القناعات المشتركة يفرض إزالة الحواجز التي تمنع من اللقاء ، وتدفع إلى التعصب والعناد ، ولن يكون ذلك إلا إذا فتح الإنسان قلبه للَّه ، في روحية المؤمنين الذين يقولون
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
[ آل عمران : 8 ] .
وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ
لأن الكفر لا ينطلق من قاعدة فكرية يعذر فيها الإنسان ، بل ينطلق من الجهل والبغي والعناد الذي يدفعه إلى إنكار آيات اللَّه في وحيه الذي أنزله على رسله ، وشرائعه التي ألقاها إلى أنبيائه وألهمهم تفاصيلها ، وربما كان من هذه الآيات ما ورد في الكتب السماوية السابقة من أوصاف النبي محمد صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم وعلاماته الدالة على نبوّته ، مما بقي في تراث اليهود والنصارى ، فقد أنكرها هؤلاء بغيا وحسدا وحفاظا على أوضاعهم وامتيازاتهم التي حصلوا عليها بفعل التراكمات التاريخية في حركة السلطة والرئاسة في مواقعهم المختلفة .
ولذلك ، فإن اللَّه سيحاسبه حسابا عسيرا ليعرّفه فقدانه للحجة في أسرع وقت ، وفي ذلك إيحاء بأن على الإنسان أن يركز قناعاته على أساس متين من الحجة والبرهان ليستطيع الدفاع عنها أمام اللَّه عندما يقف للحساب بين يديه
* يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها
[ النحل : 111 ]
.