تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ
بالتوفيق للتوبة من خلال تهيئة الظروف الملائمة للوعي الروحي الذي جعلكم تواجهون الموضوع بالمزيد من الإحساس بالمسؤولية من خلال ما ينتظركم من النتائج ، فرجعتم إليه وسلكتم خط الاستقامة ، فتاب عليكم وعفا عنكم ، ولولا ذلك
لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ
الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ، وذلك هو الخسران المبين .
وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ
وتلاعبوا بأمر اللّه ونهيه ، فابتعدوا به عن غايته وحوّلوه إلى مسألة شكلية لا تحمل في داخلها أي مضمون ، وذلك أن اللّه سبحانه نهاهم عن الصيد يوم السبت ، فكانت الأسماك والحيتان تأتي يوم السبت لشعورها بالأمان ، فما كان منهم إلّا أن استعملوا طريقة يحبسون فيها الأسماك في ذلك اليوم ، فلا تملك الخروج من الطوق الذي نصبوه لها ، فيأتي يوم الأحد الذي لا نهي فيه ، فيحصلون فيه على ما أرادوا الحصول عليه في يوم السبت ، فلم يعد للنهي أيّة قيمة عملية من ناحية النتائج الواقعية . وهذا ما جعل القضية في سلوكهم هذا تتحول إلى اعتداء على الشريعة ، فكان عقاب اللّه لهم شديدا لا عهد لهم به
فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
أي مسخناهم على شكل القردة ، وطردناهم من رحمة اللّه ، وأبعدناهم عن كل مواقع الإنسانية والكرامة . وقد اختلف الرأي في هذا المسخ هل هو حقيقي ، أم هو معنوي تمثيلي ؟ فالمعروف هو الأول ، لأن ظاهر القرآن هو ذلك من دون ما يمنع من إرادته من اللفظ ومن دون قرينة على إرادة خلاف الظاهر ، وأما الرأي الثاني ، فهو ما ذهب إليه مجاهد حيث قال : « لم يمسخوا قردة وإنما هو مثل ضربه اللّه كما قال :
كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً
[ الجمعة : 5 ] ، وحكي عنه أيضا : أنه مسخت قلوبهم فجعلت كقلوب القردة لا تقبل وعظا ولا تتقي زجرا » . ويقول صاحب مجمع البيان تعليقا على ذلك : « وهذان القولان يخالفان الظاهر الذي