تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
عليه . ويعبّر عن النهي في المجال الأول بالنهي المولوي ، وفي المجال الثاني ، بالنهي الإرشادي . ويقولون : إن العصمة لا تتنافى مع القسم الثاني من النهي ، لأن النبي لم يتمرد على اللّه في فعل ما يغضبه ، بل كل ما هناك أنه أساء إلى نفسه في ما وجهه اللّه إليه من نصيحة وإرشاد . وهذا ما نستوحيه من الآية ، حيث الظاهر أن النهي كان إرشاديا ، باعتبار أن نتيجته فقدان نعيم الجنة ، وليس التعرض لعقاب اللّه . . وقد نجد شواهد على ذلك من هذه الآية وغيرها . فنحن نجد النهي هنا واقعا بعد الحديث معهما عن حريتهما المطلقة في التنعم بنعيم الجنة في ما يشاءان ، مما يوحي بأن القضية تتحرك في إطار النصيحة . ونجد ذلك في قوله سبحانه :
فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى * إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
[ طه : 117 - 119 ] فنحن نواجه ترغيبا في نعم الجنة كأسلوب من أساليب التشجيع على الانسجام مع التوجيه الإلهي ، من دون أن تكون هناك ضغوط تشريعية في هذا المجال . فلم تكن القضية هي أن يعذب أو لا يعذب ، بل كل ما كان هناك هو : هل يبقى في الجنة أو لا يبقى فيها ؟ فلا منافاة في ذلك لفكرة العصمة من قريب أو من بعيد . وقد يقول قائل : إن كثيرا من ظواهر القرآن لا تؤدي هذه الفكرة ، فنحن نلتقي بقوله تعالى :
وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى
[ طه : 121 ] ، وبقوله تعالى :
فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
وقوله تعالى :
رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا
وقوله تعالى :
وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ
. فنحن نلاحظ أن المعصية ضد الطاعة ، وأن الغواية ضد الرشد ، وأن التوبة لا تكون إلا عن ذنب ، وأن اعتبار الإنسان ظالما لنفسه لا يكون إلا من خلال عصيانه للّه ، مما كثر التعبير عنه في القرآن الكريم . ونجيب عن ذلك : إن كلمة المعصية لا تختص بالمعصية القانونية المستتبعة للعقاب ، فيصحّ لنا أن نطلق على التمرد على أوامر الطبيب كلمة