تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من وحي القرآن — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
نزول القرآن ، بل لا بد له من أن يتوجه إلى الناس المعاصرين للدعوة باعتبارهم القوة التي تحتاج إلى صدمة التحدي لتلقي سلاحها أمام الدعوة الجديدة . ويمكن لهذا التحدي أن يثبت وجوده ويستمر في كل المجالات ، وليس من الضروري أن يتّسع التحدي لكل الاختصاصات ، بل يكفي فيه أن يكون معجزا ولو في بعض المجالات التي تثبت ارتباط الرسول بالقوّة الإلهية ، كما نلاحظ ذلك في معاجز سائر الأنبياء . وثانيا : إننا نلاحظ أن التحدي قد طرح فكرة الإتيان بسورة واحدة ، أو بعشر سور مثله ، ونحن نعلم أن في السور القرآنية ، ولا سيما السور الصغيرة منها ، ما لا يشتمل على أية قضية علمية أو تشريعية أو غيبية ، فكيف يمكن أن يكون التحدي منطلقا في هذه الاتجاهات . أمّا الآية التي تحدّت بالقرآن ، فلا يظهر منها أن المقصود فيها بالقرآن هو مجموع ما بين الدفتين ، بل الظاهر هو غير ذلك ، باعتبار أن هذه الآية هي جزء من القرآن ، كما أن نزولها لم يكن في آخر عهد النبي صلّى اللَّه عليه وآله وسلّم ، بل ربما كان في وقت قريب من بداية الدعوة كما توحي به طبيعة التحدي في مراحله الأخيرة السابقة ، وقد نستطيع تأكيد ذلك بما قرره العلماء ، وهو أن مصطلح القرآن يطلق على الآية ، وعلى السورة ، وعلى المجموع ، فلعل المراد منه الطبيعة القرآنية بنوعها في خصائصها الذاتية من دون نظر إلى كمية الآيات قلة وكثرة . ثم إن قضايا العلم والغيب لا يمكن أن تكون مجالا للتحدي من خلال شخصية النبي ، وطبيعة البيئة التي عاش فيها ، ونوعية المرحلة الفكرية التي وصل إليها عصره . أمّا من ناحية طبيعة الموضوع ، فلا مجال للتحدي ، لأن الوصول إلى هذه النتائج - ولا سيما العلمية - لم يعجز الإنسان في الماضي ولا في الحاضر ، وقد وصل الإنسان إلى بعض الأفكار في مجتمع غير مجتمع النبي ، سواء في عصره أو في العصور المتأخرة عنه ، وهذا ما لا تستجيب له آيات التحدي في القرآن ، لأن الظاهر منها انطلاق التحدي من الطبيعة القرآنية
من وحي القرآن — صفحة 185 | السيد محمد حسين فضل الله