هنالك تأتي الإجابة فور الدعاء كأنها آتية مع الدعاء ، ولمّا يصل أمرك إلى ما وصل :
فَأَسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ ( 23 )
« أسر بهم » فرارا عن تجدد حصرهم وأسرهم إياكم ، ولأن سراة كل شيء أعلاه ، فالإسراء ليلا هو السير بهم في مرتفع الليل
« إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ »
رغم ظلام الليل وارتفاعه
وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ ( 24 )
.
ولماذا هذا السريّ السرّي في مرتفع الليل ؟
« إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ »
على أية حال ، فليكن الفرار ليلا لكي يبطئوا عن اتبّاعكم فلا يلحقوكم ، وإذا اقتربوا إليكم بحرا ،
« وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْواً »
ل
« إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ »
في اتباعهم إذا وجدوه رهوا ! .
والرّهو هو السكون ، وهو الفرجة الواسعة ، وكيف يترك البحر ساكنا على التطامه وتموّجه ؟ إنه ضرب بعصاه البحر :
« فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ » ( 26 : 63 )
وهذا المنفلق أصبح طريقا يبسا :
« فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً »
( 20 : 77 ) وعلّ رهو البحر هو طريقه اليبس بفرجة واسعة ، إذ لا ماء فيه حتى يلتطم ولا ضيق حتى يصطدم ، أم ورهو سائر البحر الماء مدّ البصر من الطريق اليبس دفعا عن الرهب ، هنا يؤمر موسى أن يترك البحر في رهوه أم رهويه كيلا يهابه آل فرعون ، فيدخلوه لكي يصبحوا
« جُنْدٌ مُغْرَقُونَ »
وقد حصل ما أراد اللَّه من غرق آل فرعون المتبقين وإنجاء بني إسرائيل المتبعين ! وقد تلمح
« وَاتْرُكِ الْبَحْرَ »
أن موسى أراد بعد الخروج عن البحر أن يرجعه إلى ما كان صدّا عن آل فرعون ، فأمره اللَّه بترك البحر رهوا
« إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ »
أتركه لإغراء فرعون فإغراقه ، وهكذا ينفذ قدر اللَّه من خلال الأسباب جلية وخفية ، لتكون كلمة اللَّه هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى !