تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه — صفحة 107

مساهمون:

ص١٠٧
ثم إن هذه الطريقة هي أقرب إلى الدعوة والإنصاف في الحجاج ، وأبعد عن الشغب والاعتساف ، وليس كذبا محرما لأنه في مقام الإصلاح والإفصاح عن الحق المرام ، ثم وقصد الاستنكار وإن لم يظهر يخرجه عن الكذب إلى التورية حيث ورّى بصورة الإخبار والقصد هو الاستنكار . ثم وهذه الأفولات الثلاث كانت براهين على بطلان ثالوث الربوبية للنجم والقمر والشمس بحكم الفطرة الحكيمة الحاكمة في كلّ قليل وجليل . فلأن الفطرة تحب الكمال المطلق حبا في حقل الربوبية ، ولا تجد مطلوبها في هذه الكائنات ، فليكن مطلوبه خارجا عن عالم الحس والحيطة العقلية . فإبراهيم المتحري عن ربه في مجالة الحوار ، لمّا لا يجده في كوكب يلمع ولا في قمر يطلع ، ولا في شمس تسطع ، فبأحرى لا يجده فيما دون هذه المشرقات مهما شرّق وغرّب ، فهو واجده في فطرته أنه لا حدّ له ولا أفول ، فليس هو ماله حد وأفول . وهكذا يلقي إبراهيم عصاه في حران بين عبدة الأصنام عساه يجد آذانا مصغية وعقولا ناضجة غير معقولة بطوع الهوى ، فاختار لرشدهم حجاج التجاوب بين الفطرة والعقل والإحساس ،
« فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ »
وستره ظلامه « رأى » كوكبا « مما كانوا يعبدون ، فجاراهم في زعمهم دون مجابهة علنية ، حاكيا مقالهم « هذا ربي » كأنه صلوات اللّه عليه منهم
« لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ »
أي : ناسيا للميثاق طريق في الحوار طريف حكيم ، ومنهج في الحجاج قويم ، وهذه أدعى إلى إنصاتهم لمقالته فإنها مقالتهم ، ثم كرّ على المقالة من طريق خفي ينبئ عن سداد رأيه ونفاذ بصيرته ، فلما أفل هذا الكوكب تحت الأفق فتفقّده فلم يجده ، وبحث عنه فلم يره قال
« لا