رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ
« 1 » .
حيث علم إجمالا أنّ الحقّ يجب أن يكون موصوفا بالكمال من جميع الجهات ، فلمّا رأى الكوكب بضوئه الّذي هو من الكمال حسبه إلها من جهة كماله ، فلمّا غاب استدلّ بغيبوبته على أنّه لا يستحقّ الالوهيّة ؛ إذ الأفول من النقصان ، والحقّ مقدّس عنه من جميع الجهات .
وهكذا كان استدلاله بالشمس والقمر ، فلمّا استغنى عن ذلك المقام قال :
إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ . . .
إلى آخره ؛ أي حصرت التفات قلبي في مشاهدة أنوار الحقّ ، وأعرضت عن غيره ، فإنّ الالتفات إلى الغير ولو في مقام الاستدلال شرك .
و
إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ
أي مستغن عن الاستدلال بالمعلول على العلّة ، لاستلزامه الشرك من لزوم التوجّه فيه إلى الخلق أوّلا ، وإلى الحقّ ثانيا .
وقال بعض العارفين : إنّ الخليل لمّا غلب عليه الشوق والطلب ، وعلم حضور الحقّ لكلّ شيء كان كلّما شاهد نورا وكمالا وبهاء في شيء قال : هذا ربّي ، وذلك لشدّة عطشه إلى لقاء ربّه ؛ كالعطشان الّذي كلّما لمح سرابا حسبه ماء ، فلو لم يكن عطشان إلى اللقاء لم يحسب الكواكب ربّه . انتهى .
وبالجملة : لا يخفى أنّ في السلسلة الخلقيّة آيات كثيرة دالّات على
هامش
( 1 ) الأنعام : 76 - 79 .