تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بوارق القهر في تفسير سوره الدهر — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
وهؤلاء لقد جهلوا بحقيقة الحال ، وضلّوا عن ساحة الجمال ؛ حيث زعموا أنّ خزائن قدرته لقد نفدت ، فلا يقدر على خلق الأرواح بعد خلق الأرواح السابقة ، مع أنّ قدرته قدرة كاملة يفعل بها ما يشاء ، وهو على كلّ شيء قدير . وقريب من ذلك القول ما زعمه بعض العارفين من أنّه إذا أراد اللّه تكميل عبد من عباده يهلك جماعة من الناس ليبرز أرواحهم فيه . وعليه حمل قول العطّار : صدهزاران طفل سر ببريده شد * تا كليم اللّه صاحب ديده شده فتأمّل . قال اللّه تعالى :
إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا
. أقول : لمّا بين في هذه السورة مقامات الأبرار ، وما به وصلوا إليها من الطاعات ، ودركات الأشرار ، وما به خذلوا فيها من ترك العبادات ، أشار في تلك الآية إلى أنّ السلوك في أحد المسلكين إنّما هو من اختيارات العبد ، وليس العبد مجبورا في ذلك السلوك حتّى يقدر ، إلّا أحدهما خاصّة ، بل هو مختار قادر على السلوكين ؛ كما قال :
فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ
« 1 » أي المقام مقام الاختيار ، فمن شاء اختار الإيمان ، فيترتّب عليه آثاره ، ومن شاء اختار الكفر ، فيترتّب عليه آثاره ؛ كما أشار إليه بقوله :
فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ
هامش
( 1 ) الكهف : 29 .