تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بوارق القهر في تفسير سوره الدهر — صفحة 210

مساهمون:

ص٢١٠
الحكمة المتعالية ، والمعارف الحاليّة ، ويتجلّى على هويّاتهم بذاته الشريفة تجلّيا ذاتيّا ساذجيّا شعشعانيّا يتحقّق به محو الموهومات ، وكشف أستار الحجابات ، فلا يرى العبد في الوجود سوى الحقّ لاستغراقه في يمّ التوحيد ، واحتراقه في شعلات التفريد . وفي الوصف بالطهور - وهو صيغة المبالغة - إشارة إلى أنّ ذلك الشراب طاهر في نفسه من الأقذار والأكدار بحيث لم تدنّسها الأيدي ، ولم تدسه الأرجل كخمر الدنيا ، ومطهّر لمن شربه بأن يخلّصه عن الآلام والهموم ، ويجعل همومه كلّها همّا واحدا ، وحاله في خدمة الحقّ سرمدا . فأيّ طاهر أبعد عن شائبة النجاسات من تلك الأنوار المبرّأة عن نجاسة الوهم والخيال ، وأيّ مطهّر أبلغ ممّا يخلّص العبد عن العلائق الوهميّة ، والشئونات العرضيّة ، والتوجّهات الغيريّة ؛ بحيث يغمّض نظره عن كلّ ما في الإمكان ، ويصرفه عن كلّ شيء إلى حضرة المحبوب المنّان . قال الصادق عليه السلام : إنّ الورقة منها ليستظلّ تحتها ألف رجل من الناس ، وعن يمين الشجرة عين مطهّرة مزكّية ؛ فيسقون منها شربة ، فيطهّر اللّه بها قلوبهم من الحسد ، ويسقط عن أبشارهم الشعر ، وذلك قول اللّه :
وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً
من تلك العين المطهّرة . . . « 1 » إلى آخره . والمراد بالعين المطهّرة المزكّية هي ينبوع الحكمة الإلهيّة ، فإنّ من فاز به يصفو قلبه عن كلّ غلّ وحقد وحسد وضلالة وقساوة وغير ذلك من الأخلاق الرذيلة ، وتخصيص الحسد بالذكر مشعر بأنّه منشأ أكثر الأخلاق
هامش
( 1 ) الكافي 8 : 95 .