يلتذّون إلّا بقرب الحقّ وذكره والثناء عليه على التفصيل الّذي قرّرناه .
ومنهم من لهم دون ذلك المقام وهم الأكثرون كما قال : أكثر أهل الجنّة البلهاء ، فيتنعّمون بالمآكل والمشارب هو الصحيح الّذي نحن نقول به .
وأمّا ما ذكره المفيد رحمه اللّه من الحصر الّذي عرفته فناش عن الجهل بحقيقة الحال . كيف ويأباه العقل اللامع اللاهوتي كمال الإباء ؛ إذ هذه الأشياء ممّا لا يليق إلّا بالقوّة البهيميّة ، ولا يليق بالرتبة الإنسانيّة ، لأنّها من أعلى المراتب الإمكانيّة ، وقد أعدّ اللّه لها ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
فلا ينبغي للعاقل أن يحصر اللذّات في الجنّة فيما يخصّ بالبهائم . كيف وهو نقص للرتبة الإنسانيّة .
وأمّا ذكره من الآيات القرآنيّة شاهدة على دعواه فممّا الجواب عنه سهل على كلّ من تدبّر هنيئة ؛ إذ لتلك الآيات ظواهر يعرفها كلّ من له اطّلاع بلغة العرب ، وحقائق قد علمها أهل التوحيد ، وعرفها أرباب التجريد .
كيف لا وقد كشف عن بعضها الأئمّة الأطهار عليهم السلام في بعض أخبارهم المرويّة عنهم في الكتب المعتبرة كما لا يخفى على من تتبّعها ، ولا يبقى شكّ للمتتبّع في أنّ تلك الألفاظ الّتي تضمّنها القرآن ، بل الأخبار الواردة في أمر الجنّة والنيران كما تكون عبارات عن اللذّات الجسمانيّة المحسوسة ، والآلام الظاهرة العنصريّة كذلك تكون كنايات عن الدرجات الرفيعة القربيّة ، والدركات البعديّة ، وإنّي في مقامي هذا بين يدي اللّه لأشهدنّ بأنّ ما اشتمله القرآن والأخبار في أمر الجنّة والنار لحقّ صدق من
بوارق القهر في تفسير سوره الدهر — صفحة 181
مساهمون: ملا حبيب الله الشريف الكاشاني
ص١٨١