تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهل العرفان في علوم القرآن — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
ولا يفوتنك في هذا المقام أن تعرف أن ابتلاء اللّه لعباده ليس المراد منه أن يعلم سبحانه ما كان جاهلا منهم « حاشاه حاشاه » فقد وسع كلّ شئ علما . إنما المقصود منه إظهار مكنونات الخلق ، وإقامة الحجج عليهم من أنفسهم فلا يتهمون اللّه في عدله وجزائه ، إذا جعل من الناس أهلا لثوابه وآخرين لعقابه .
« وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً »
. ( الرأي الثاني في فواتح السور ) إن لها معنى مقصودا معلوما . قالوا : لأن القرآن كتاب هداية ، والهداية لا تتحقق إلا بفهم المعنى ، خصوصا أننا أمرنا بتدبر القرآن والاستنباط منه ، وهذا لا يكون إلا إذا فهم المعنى أيضا . غير أن أصحاب هذا الرأي تشعبت أقوالهم في بيان هذا المعنى المقصود بفواتح تلك السور ، فذهب بعضهم إلى أن فاتحة كل سورة اسم للسورة التي افتتحت بها ، واستدلوا بآثار تفيد ذلك ، منها ما روى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « يس قلب القرآن » وقوله « من قرأ حم السّجدة حفظ إلى أن يصبح » . ومنها اشتهار بعض السور بالتسمية بها . ثم إن ورودها في فواتح سور مختلفة بلفظ واحد ، ينافي كونها أسماء للسور . بل شأنها في ذلك شأن الأعلام المشتركة اشتراكا لفظيا كلفظ محمد المسمى به أشخاص كثيرون . فيضم إلى اسم كل منهم ما يميز مسماه عن غيره فيقال : محمد المصري ومحمد الشامي مثلا . وكذلك فواتح السور يقال فيها : « ألم البقرة وألم آل عمران وحم السجدة » وهلم جرا . وبعضهم ذهب إلى أنها أسماء للحروف الهجائية التي وضعت بإزائها . وهؤلاء منهم من قال : إن المقصود من ذلك هو إفهام المخاطبين أن الذي سيتلى عليهم من الكلام الذي عجزوا عن معارضته والإتيان بمثله ، إنما تركب من مثل هذه الحروف التي في الفواتح ، وهي معروفة لهم ، يتخاطبون بما يدور عليها ولا يخرج عنها