فأما الذين آمنوا فيعلمون أن هذه الفواتح حق من عند ربهم ، ولو لم يفهموا معناها ، ولم يدركوا مغزاها . ثقة منهم بأنها صادرة من لدن حكيم عليم ، عمّت حكمته ما خفى وما ظهر من معاني كتابه ، ووسع علمه كل شئ عرفه الخلق أو لم يعرفوه من أسرار تنزيله .
« وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ »
.
« فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ ، وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ »
ونظير ذلك أن يكون لك أصدقاء تريد أن تعرفهم أو تعرف منهم مدى صداقتهم لك ، فتبتليهم بأمور يزلّ عندها المزيّفون ، ويظهر الصادقون .
على حد قول القائل : - وعلى حدّ المثل القائل : « إنّ أخاك من واساك » .
إبل الرّجال إذا أردت إخاءهم * وتوسّمنّ فعالهم وتفقّد
فإذا ظفرت بذى اللّبانة والتّقى * فيه اليدين قرير عين فاشدد
ونظير ذلك أيضا أن تكون أستاذا معلما ، وتريد أن تقف على مدى انتباه تلاميذك ، ومبلغ ثقتهم فيك وفي علمك ، بعد أن زوّدتهم منك بدراسات واسعة وتعاليم واضحة فإنك تختبرهم في بعض الأوقات بكلمات فيها شئ من الإلغاز والخفاء ، ليظهر الذكىّ من الغبىّ ، والواثق بك الوامق لك ، من المتشكك فيك المتردّد في علمك وفضلك . فأما الواثق فيك فيعرف أن تلك الألغاز والمعمّيات ، صدرت عن علم منك بها وإن لم يعلم هو تفسيرها ، ويعرف أن لك حكمة في إيرادها على هذه الصورة من الخفاء ، وهي الاختبار والابتلاء . وأما المتشكك فيك فيقول : ما ذا أراد بهذا ؟ وكيف ساغ له أن يورده ؟ وما مبلغ العلم الذي فيه ؟ ثم ينسى تلك المعارف الواسعة الواضحة التي زوّدته بها من قبل ذلك ، وكلها من أعلام العلم وآيات الفضل .