تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناهل العرفان في علوم القرآن — صفحة 215

مساهمون:

ص٢١٥
وتارة يختار طريقة الحلف والقسم لأن في الحلف والقسم معنى العظمة التي أودعها اللّه في هذه النعم دالة على توحيده وعظمته ، حتى صحّ أن يدور القسم عليها ، وأن يجيء الحلف بها . ومن هنا أقسم اللّه بما أقسم من الأمور الحسية والمعنوية ، فالأمور الحسية كما ذكرنا ، والمعنوية مثل القرآن الكريم في قوله سبحانه :
« وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ . إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ . عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ »
لينبّههم إلى مدى إنعامه عليهم بتلك الأقسام كلها ، حسّيها ومعنويّها ، فيرعووا عن شركهم بتلك الآلهة المزيفة التي لا تملك ضرّا ولا نفعا ، وليس لها أىّ شأن في هذا الخلق . على حدّ قوله سبحانه في سورة الأحقاف :
« قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ؟ أَرُونِي ما ذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ ؟ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ . وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعائِهِمْ غافِلُونَ . وَإِذا حُشِرَ النَّاسُ كانُوا لَهُمْ أَعْداءً ، وَكانُوا بِعِبادَتِهِمْ كافِرِينَ »
. وأنت خبير بأن المصاب بداء الشرك لا سبيل إلى إنقاذه منه إلا بمثل هذه الطريقة المثلى ، التي سلكها القرآن بعرض دلائل التوحيد من آيات اللّه في الآفاق على أنظار المشركين ، وهذا سبيل متعين في خطاب كل مشرك ولو كان واحد الفلاسفة ، ووحيد العباقرة ، وأستاذ المثقفين والمستنيرين . فحلف القرآن بأمثال هاتيك المخلوقات والحسيات ، ليس دالّا على سذاجة المخاطبين وانحطاطهم ، وليس بالتالي سبيلا إلى الطعن في القرآن بأنه كلام محمد المتأثر بانحطاط البيئة المكية كما يرجفون :
« إِنْ هذا إِلَّا اخْتِلاقٌ »
. ( ثالثا ) أن في مضامين تلك الأقسام بالحسيات أسرارا تنأى بها عن السذاجة والبساطة وتشهد ببراعة المخاطبين بها وتفوّقهم في الفهم والذكاء والفصاحة والبيان .
مناهل العرفان في علوم القرآن — صفحة 215 | الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني