تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 391

مساهمون:

ص٣٩١
أصحاب هذه الدعوى بالكاذبين ، وجعلوه واحدا منهم .
قالَ
هود لهؤلاء الملأ الذين نسبوه إلى السفه :
يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ
؛ أي : ليس بي شيء مما تنسبونني إليه من السفه ؛ أي : ليس الأمر كما تدعون من أن بي سفاهة
وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ
أرسلني إليكم لأبلغكم رسالات ربي وأؤديها إليكم ، واللّه أعلم حيث يجعل رسالته ، فلا يختار لها إلا من عرفوا برجحان العقل ، وحصافة الرأي ، وكمال الصدق ، وإنما جمع الرسالة نظرا لاختلاف أوقاتها ، ولتنوع معانيها ، أو لأن المراد بها المرسل به ؛ وهو يتعدد . ذكره أبو السعود . ثم بين وظيفة الرسول وحاله عليه السلام فيما بلغ ، فقال :
أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي
؛ أي : أؤدي إليكم ما أرسلني به ربي إليكم من أوامره ونواهيه ، وشرائعه وتكاليفه
وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ
فيما آمركم به من عبادة اللّه عزّ وجل ، وترك عبادة ما سواه
أَمِينٌ
؛ أي : موثوق فيما أبلغه عن ربي ، فلا أكذب عليه في وحيه إلي ، والأمين الثقة على ما ائتمن عليه . وهذا رد لقولهم « 1 » :
وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ
فكأن هودا قال لهم : كنت قبل هذه الدعوى أمينا فيكم ، ما وجدتم مني غدرا ولا مكرا ولا كذبا ، واعترفتم لي بكوني أمينا ، فكيف نسبتموني الآن إلى الكذب ؟ وفي هذا دليل على جواز مدح الإنسان نفسه في موضع الضرورة إلى مدحها ، وإنما أتى هود « 2 » بالجملة الاسمية في قوله :
وَأَنَا لَكُمْ ناصِحٌ
؛ ونوح بالفعلية حيث قال :
وَأَنْصَحُ لَكُمْ
؛ لأن صيغة الفعل تدل على تجدده ساعة بعد ساعة ، وكان نوح عليه السلام يكرر في دعائهم ليلا ونهارا من غير تراخ ، فناسب التعبير بالفعل ، وأما هود فلم يكن كذلك ، بل كان يدعوهم وقتا دون وقت ، فلذا عبر بالاسمية . وفي إجابة « 3 » هؤلاء الأنبياء لأقوامهم بتلك الإجابة الصادرة عن الحكمة والإغضاء عما قالوا من وصفهم إياهم بالسفاهة والضلالة أدب حسن ، وخلق
هامش
( 1 ) المراح . ( 2 ) الفتوحات . ( 3 ) المراغي .