ومعنى الاستكبار عن قبول الآيات :
رفضها كبرا وعنادا لمن جاء بها ، كما حدث من رؤساء قريش حين استكبروا أن يكون محمد صلى اللّه عليه وسلم إماما لهم ، إذ رأوا أنفسهم أحق بالرئاسة منه ؛ لأنهم أكثر منه مالا وأعز نفرا .
والخلاصة :
أن جميع الرسل قد بلغوا أممهم أن اتقاءهم لما يفسد فطرتهم من الشرك والمعاصي ، وإصلاح أنفسهم بالطاعة يوجب الأمن وعدم الخوف مما يتوقع ، وعدم الحزن على ما وقع منهم في الدار الأولى ، وأن تكذيب ما جاءوا به من الآيات والاستكبار عن اتباعها يترتب عليه المكث في نار جهنم خالدين فيها أبدا كفاء ما فعلوا من التمرد وعصيان أوامر الديان .
والاستفهام في قوله :
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً
إنكاري ؛ أي : لا أحد أظلم وأقبح وأشنع ممن افترى واختلق على اللّه الكذب بأن أوجب على عباده من العبادات ما لم يوجبه ، أو حرم عليهم من الدين ما لم يحرمه ، أو عزا إلى دينه أحكاما لم تنزل على رسله ، أو بنسبة الشريك والولد إليه
أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ
المنزلة عليهم سواء أكان بالقول ، أو بما هو أدل منه كالاستهزاء بها ، أو الاستكبار عن اتباعها ، أو بتفضيل غيرها عليها .
أُولئِكَ
المفترون المكذبون بآيات اللّه
يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ
؛ أي يصيبهم ، ويوفى لهم نصيبهم وحظهم من الكتاب ؛ أي : من الأعمار والأرزاق المكتوبة لهم في اللوح المحفوظ ، فهم مع ظلمهم وافترائهم على اللّه لا يحرمون مما قدر لهم من الأرزاق إلى انقضاء آجالهم تفضلا منه سبحانه وتعالى ؛ لكي يصلحوا ويتوبوا ، ونحو الآية قوله تعالى :
كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ
، وقوله :
نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ ( 24 )
.
و
حَتَّى
في قوله :
حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا
غاية « 1 » لنيلهم نصيبهم واستيفائهم له ، وهي حتى التي يبتدأ بعدها الكلام ، والكلام هنا الجملة الشرطية ، وهي
إِذا جاءَتْهُمْ
: أي : يوفى لهم نصيبهم من الأرزاق والأعمار المكتوبة لهم في اللوح
هامش
( 1 ) النسفي .