ما أحل اللّه لكم من الحرث والأنعام ، أو كلوا من هذه الأنعام وغيرها ، وانتفعوا بها بسائر ضروب الانتفاع المباحة شرعا
وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ
؛ أي : ولا تسلكوا السبل التي يسوّلها لكم الشيطان بتحريم الحرث والأنعام ، فتحرموا ما لم يحرمه اللّه تعالى ، فإن ذلك إغواء وإضلال منه ، واللّه المبدع قد أباحها لكم ، فليس لغيره أن يحرم أو يحلل ، ولا يتعبدكم به ، ويقال : لمن اتبع آخر وبالغ في التأسي به : اتبع خطواته ، ولا شك أن تحريم ما أحل اللّه من أقبح المبالغات في اتباع إغواء الشيطان ؛ لأنه اتباع له في حرمان النفس من الطيبات لا في الاستمتاع باللذات كما هو أكثر غوايته . ثم علل النهي عن اتباعه بقوله :
إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ
؛ أي : ظاهر العداوة ، فقد أخرج آدم من الجنة ، وقال :
لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا
؛ أي : لا تتبعوه لأنه ظاهر العداوة بينها لا يأمر إلا بكل قبيح يسوء فعله حالا ، أو استقبالا ، ويأمركم بالافتراء على اللّه بغير علم ، كما قال تعالى :
إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ
.
وبعد أن ذكر سبحانه أن الأنعام ؛ إما حمولة وإما فرش . . فصلها وقسمها إلى ثمانية أزواج ، فإن الحمولة ؛ إما إبل ، وإما بقر ، والفراش ؛ إما ضأن ، وإما معز ، وكل من الأقسام الأربعة ؛ إما ذكر ، وإما أنثى ، وكل هذا الإيضاح المحال التي تقولوها على اللّه تعالى بالتحريم والتحليل ،
ثم تبكيتهم بإظهار كذبهم وافترائهم في كل محل من هذه المحال بتوجيه الإنكار إليها مفصلة ، فقال :
وهو سبحانه وتعالى أنشأ لكم
ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ
؛ أي : ثمانية أصناف من الأنعام أنشأ لكم
مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ
؛ أي : زوجين الكبش والنعجة ، وقدم الضأن على المعز ؛ لغلاء ثمنه ، وطيب لحمه ، وعظم الانتفاع بصوفه ، والضأن ذوات الصوف من الغنم ، والمعز ذوات الشعر منها . وقرأ طلحة بن مصرف والحسن وعيسى بن عمر : من الضأَن - بفتح الهمزة - وقرأ أبان بن عثمان :
اثنان - بالرفع على الابتداء والخبر مقدم -
وَ
أنشأ لكم
مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ
؛ أي : زوجين التيس والعنز . وقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو : من المعَز - بفتح العين - وقرأ باقي السبعة بسكونها ، وقرأ أبي : ومن المعزي .