تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير حدائق الروح والريحان في روابى علوم القرآن — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
بعض هفواتهم . ثمّ أظهر فسادها ، وأبان بطلانها ، فحكى ما أسداه المؤمنون إليهم من النصائح حين طلبوا منهم ترك الرذائل التي تؤدّي إلى الفتنة والفساد ، والتمسك بأهداب الفضائل ، واتباع ذوي الأحلام الراجحة والعقول الناضجة . ثمّ ما أجابوا به ، مما دلّ على عظيم جهلهم ، وتماديهم في سفههم وغفلتهم . قوله تعالى :
وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا . . .
الآيات ، مناسبتها لما قبلها . أنّه سبحانه وتعالى لمّا ذكر فيما قبلها بعض خبائثهم وجناياتهم ، وبعض هفواتهم ، ذكر « 1 » هنا حال جماعة من المنافقين الذين كانوا في عصر التنزيل ، قد بلغ من دعارتهم ، وتمردهم في النفاق وفساد الأخلاق أن كانوا يظهرون بوجهين ، ويتكلّمون بلسانين ، فإذا لقوا المؤمنين قالوا : آمنا بما أنتم به مؤمنون ، وإذا خلوا إلى شياطينهم دعاة الفتنة والإفساد الذين يصدّون عن سبيل الحقّ . قالوا لهم : إنّما نقول ذلك لهم استهزاء بهم ، وقد فضح اللّه بهتانهم ، وأوعدهم شديد العقاب على استهزائهم ، وزادهم حيرة في أمورهم . ثمّ ذكر أنّهم قد اختاروا الضلالة على الهدى ، إذ هم أهملوا العقل في فهم الكتاب بعد أن تمكنت منهم التقاليد والعادات ، وتحكمت فيهم البدع ، فخسروا في تجارتهم ، وما كانوا مهتدين فيها ؛ لأنّهم باعوا ما وهبهم اللّه تعالى من النور والهدى ، بضلالات البدع والأهواء . قوله تعالى :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً . . .
الآيتين ، مناسبتهما لما قبلهما : أنّ اللّه سبحانه لما ذكر فيما قبلهما بعض أحوال المنافقين الذين يظهرون بوجهين ، ويتكلّمون بلسانين ، أراد أن يضرب لهم الأمثال ؛ لأنّ نهج القرآن الكريم ، كنهج لغات العرب في أساليبها ، فقال :
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً . . .
إلخ . فضرب الأمثال التي تجلي المعاني أتمّ جلاء ، وتحدث في النفوس من الأثر ، ما لا يقدر قدره ولا يسبر غوره ؛ لما فيها من إبراز المعقولات الخفية في معرض المحسوسات الجليّة ، وإظهار ما ينكر في لباس ما يعرف ويشهر . وعلى هذا السنن ضرب اللّه سبحانه مثل المنافقين ، فمثّل حالهم حينما
هامش
( 1 ) المراغي .